لم تشكل أطنان الركام، والشوارع المجرفة، والمباني التي صارت أنقاضًا، عائقًا أمام سكان حي الشجاعية، الواقع شرقي مدينة غزة، في إعادة روح الحياة إلى منطقتهم، في مشهد يؤكد رفضهم للاستسلام لمظاهر الدمار والخراب.
فالمحالّ التجارية التي تحطمت وتطايرت جدرانها عادت لفتح أبوابها من جديد، فيما بدأت سيارات الأجرة تجوب الشوارع المحطمة، في حين امتلأت الأسواق وبعض محالّ الإنترنت المتاحة بروّادها، وكأن سكان الشجاعية يتحدّون الاحتلال الذي لا يبعد بآلياته ودباباته عن حدود الحي إلا قليلا.
ورغم الدمار الذي خلّفته الحرب في كل مكان بالشجاعية، تجد الأطفال يلعبون بين الأنقاض، والعمال يعيدون ترتيب بضائعهم وسط رائحة الغبار والبارود.
وكان الآلاف من النازحين قد عادوا إلى حي الشجاعية بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار مع الاحتلال الإجرامي في التاسع عشر من يناير الماضي.
ويُعدّ حي الشجاعية من أكبر أحياء مدينة غزة، ويقع شرق المدينة، وينقسم إلى قسمين: الشجاعية الجنوبية والشجاعية الشمالية. وقد بُني خلال عهد الأيوبيين، ويُنسب في تسميته إلى "شجاع الدين عثمان الكردي"، الذي قُتل في إحدى المعارك بين الأيوبيين والصليبيين عام 123 هـ.
يقطن الحي حوالي 100 ألف نسمة، ويضم العديد من المعالم التاريخية والمساجد والمقابر القديمة.
وخاضت المقاومة في حي الشجاعية معارك شرسة مع الاحتلال خلال الحرب الأخيرة، كبدته خلالها خسائر فادحة، إذ أهانت وحدة "جولاني" الإسرائيلية، ودمّرت عشرات الآليات والدبابات، وأوقعت العشرات من الجنود بين قتيل وجريح في كمائن محكمة.
ظل الحي لفترة طويلة عصيًّا على جيش الاحتلال، رغم هجماته المكثفة التي تنوعت بين القصف المدفعي والغارات الجوية والتوغلات البرية والاشتباكات المباشرة مع المقاومة الفلسطينية.
وأفشل إصرار سكان الشجاعية كل المخططات التي راهنت على تهجيرهم وكسر إرادتهم.
ووصف المراسل العسكري لموقع "والا" الإسرائيلي حي الشجاعية، في أعقاب هجوم 7 أكتوبر، بأنه "من أخطر الأحياء في الشرق الأوسط".
"حنعمرها تاني" عبارة خطّها سكان الحي على العديد من جدران منازلهم المدمرة، وكأنهم يقولون للعالم: "سنعيش رغم الألم، وسنبني من جديد رغم الخراب".
يقول أحد أصحاب المحالّ التي أعادت فتح أبوابها رغم الدمار: "لن نرحل عن أرضنا، سنعيد بناء بيوتنا لأننا نحب غزة والحياة".
وعلى بُعد أمتار، ينهمك الشاب أحمد عبيد (27 عامًا) في إزالة الركام والأنقاض وبقايا القذائف والصواريخ من منزله المدمر، مشيرًا إلى أن أمامه الكثير من أعمال التنظيف وإصلاح العديد من الأضرار، وهو ما يحتاج إلى جهد كبير.
يقول عبيد: "أنظر إلى بيتي كأنه كنز ثمين لأنه لا يزال قائمًا، رغم الدمار والركام الذي حلّ به. أشعر أنني محظوظ مقارنة بعشرات آلاف البيوت التي سُوّيت بالأرض. شمرت عن ساعدي، وأمسكت بمكنسة مهترئة، وبدأت كنس الركام".
فور عودته إلى الشجاعية، قرر عبيد البدء بترميم منزله باستخدام بعض الشوادر، ليتمكن من العيش فيه هو وأسرته، بدلاً من معاناة الخيام ومراكز الإيواء، بعدما تحولت معظم المنازل في قطاع غزة إلى أكوام من الأنقاض.
تسببت حرب الإبادة الجماعية التي شنتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في 7 أكتوبر 2023، في تدمير أجزاء واسعة من منازل المواطنين في حي الشجاعية وقطاع غزة.
وبينما تجوب سيارات المياه شوارع الحي، يتكئ الشاب علي عياد (20 عامًا) على جزء من حائط منزله المدمر كليًا، واليأس يملأ قلبه، لا يعرف من أين وكيف يبدأ، لكنه ثابت على قراره بعدم مغادرة حي الشجاعية مرة أخرى مهما كان الثمن.
في منزل علي، لم يتبقَ سوى غرفة واحدة يمكن استصلاحها، رغم أن سقفها سقط بالكامل بعد تعرضه لقصف صاروخي عنيف أسفر عن استشهاد بعض أفراد عائلته.
يقول علي: "أنا مجبر على العيش وسط هذا الدمار، فلا يوجد بديل إلا الخيمة أو مراكز الإيواء".
لذا، اشترى بعض قطع النايلون المقوّى والأخشاب والمسامير الحديدية لإغلاق بعض الثغرات في منزله بعد أن انتهى من إزالة بعض الركام من الغرفة الصالحة للسكن.
وقالت وزارة الأشغال العامة، في أحدث إحصائية لها، إنه من المتوقع أن يتجاوز عدد الوحدات السكنية المهدمة كليًا أو المتضررة جزئيًا بشكل بالغ 280 ألف وحدة سكنية، جراء الحرب التي شنتها قوات الاحتلال على مدار أكثر من 15 شهرًا.