تصاعدتِ الانتقاداتُ داخلَ الكيانِ الإسرائيليِّ بشأنِ الفشلِ الذريعِ في التصدِّي لمعركةِ طوفانِ الأقصى في السابعِ من أكتوبرَ لعامِ 2023، معَ تصعيدِ المعارضةِ لهجتَها ضدَّ الحكومةِ، مطالِبَةً إياها بتحمُّلِ المسؤوليةِ وإجراءِ تحقيقٍ رسميٍّ في الإخفاقاتِ الأمنيةِ والسياسيةِ التي مكَّنَتِ المقاومةَ الفلسطينيةَ من توجيهِ أقسى ضربةٍ لـ(إسرائيل) منذُ عقود.
وفي موقفٍ لافتٍ، أشادَ زعيمُ المعارضةِ يائيرُ لابيدَ بإعلانِ الجيشِ الإسرائيليِّ نتائجَ تحقيقاتِهِ الداخليةِ، مؤكِّدًا أنَّهُ لم يحاولِ التهرُّبَ من مسؤوليتهِ، لكنَّهُ هاجمَ الحكومةَ بشدَّةٍ، واصفًا إياها بـ"مجموعةِ جبناءَ فاشلةٍ"، مشدِّدًا على ضرورةِ تشكيلِ لجنةِ تحقيقٍ رسميةٍ للكشفِ عن أسبابِ الفشلِ غيرِ المسبوقِ في حمايةِ مستوطني غلافِ غزة.
إجماعٌ على فشلِ المنظومةِ الأمنيةِ والسياسيةِ
لمْ يقتصرِ الهجومُ على لابيدَ وحدَهُ، بلِ انضمَّ إليهِ أفيغدور ليبرمان، الذي وصفَ تحقيقاتِ الجيشِ بأنَّها "غيرُ كافيةٍ"، مطالبًا باستقالةِ جميعِ المسؤولينَ الذينَ كانوا في مواقعِ اتخاذِ القرارِ خلالَ السابعِ من أكتوبرَ، باعتبارِ أنَّ الفشلَ لمْ يكنْ عسكريًّا فقط، بلْ كانَ انهيارًا شاملًا للمنظومةِ الأمنيةِ والاستخباريةِ والسياسيةِ في إسرائيل.
هذا التصعيدُ منْ قبلِ المعارضةِ يعكسُ حالةَ الاضطرابِ العميقِ الذي يعيشهُ الداخلُ الإسرائيليُّ منذُ بدءِ الحربِ، حيثُ فقدتِ الحكومةُ ثقةَ شريحةٍ واسعةٍ منَ الجمهورِ، خاصَّةً معَ استمرارِ الحربِ لأكثرَ منْ أربعةِ أشهرٍ دونَ تحقيقِ أهدافِها المُعلَنةِ.
حكومةُ نتنياهو في مأزقٍ.. الهروبُ إلى الأمامِ؟
يجدُ رئيسُ وزراءِ الاحتلالِ بنيامينُ نتنياهو نفسهُ في مأزقٍ مزدوجٍ: منْ جهةٍ، يواجهُ ضغوطًا دوليةً متزايدةً بسببِ استمرارِ العدوانِ على غزةَ، ومنْ جهةٍ أخرى، تتَّسعُ رقعةُ الغضبِ الداخليِّ ضدَّهُ، سواءٌ منْ عائلاتِ الجنودِ والمستوطنينَ، أو منَ المعارضةِ التي ترى أنَّ الحربَ لمْ تنجحْ في استعادةِ قوَّةِ الردعِ الإسرائيليِّ.
حتَّى الآنَ، تحاولُ حكومةُ نتنياهو التهرُّبَ منْ تحقيقٍ رسميٍّ مستقلٍّ في أحداثِ 7 أكتوبرَ، خوفًا منْ أنْ يؤدِّيَ ذلكَ إلى تحميلِها المسؤوليةَ المباشرةَ عنِ التقصيرِ، وهوَ ما قدْ يُسرِّعُ بانهيارِها سياسيًّا، خاصَّةً في ظلِّ الشروخِ المتزايدةِ داخلَ الائتلافِ الحاكمِ نفسِهِ.
المواجهةُ القادمةُ: لجنةُ تحقيقٍ أمْ انتخاباتٌ مبكِّرةٌ؟
المطالبُ المتزايدةُ بتشكيلِ لجنةِ تحقيقٍ رسميةٍ تشيرُ إلى أنَّ المعارضةَ تستعدُّ لاستخدامِ هذا الملفِّ كورقةِ ضغطٍ سياسيٍّ قدْ تفضي إلى إعادةِ تشكيلِ المشهدِ السياسيِّ في (إسرائيل).
فإذا استمرتْ حكومةُ نتنياهو في المماطلةِ ورفضِ فتحِ تحقيقٍ مستقلٍّ، فقدْ تواجهُ موجةَ احتجاجاتٍ أوسعَ، وربَّما يكونُ ذلكَ مقدِّمةً لانتخاباتٍ مبكِّرةٍ يراها البعضُ ضروريةً لإنهاءِ حقبةِ الحكومةِ الحاليةِ، التي باتَ يُنظَرُ إليها على نطاقٍ واسعٍ على أنَّها المسؤولةُ عنْ أسوأِ إخفاقٍ أمنيٍّ في تاريخِ (إسرائيل).
ومعَ استمرارِ تداعياتِ 7 أكتوبرَ، يبدو أنَّ الداخلَ الإسرائيليَّ يتَّجهُ نحوَ مرحلةِ محاسبةٍ حتميَّةٍ، سواءٌ عبرَ لجنةِ تحقيقٍ رسميةٍ أو منْ خلالِ تحوُّلاتٍ سياسيةٍ قدْ تؤدِّي إلى الإطاحةِ بحكومةِ نتنياهو. وفي ظلِّ غيابِ إنجازاتٍ حقيقيةٍ في الحربِ، تتصاعدُ احتمالاتُ أنْ يكونَ الانفجارُ السياسيُّ الداخليُّ هوَ الساحةَ التاليةَ للصراعِ في (إسرائيل).