أطال ثلاثة أشقاء النظر في صورة كبيرة يحملونها لشقيقهم الأسير. في تلك الصورة، يظهر شاب بقامة فارعة وجسد ممتلئ، بينما يقف خلف زجاج الباص شاب بملامح باهتة ووجه شاحب، هزيل الجسد وضعيف البنية.
أجهش أشقاء الأسير المحرر يوسف جمعة من مدينة رفح بالبكاء من هول الصدمة، إذ لم يتعرفوا على شقيقهم، الذي تبدّلت ملامحه للوهلة الأولى.
وكما هو الحال مع باقي الأسرى، خرج يوسف من سجون الموت وقد تغيّرت ملامحه نتيجة حرب التجويع والتعذيب التي ينتهجها الاحتلال ضد الأسرى في السجون.
وصل إلى قطاع غزة، فجر الخميس، 456 أسيرًا فلسطينيًا محررًا ضمن الدفعة السابعة من صفقة التبادل بين حركة "حماس" وإسرائيل، والتي أفرج بموجبها عن 602 أسير، بعد مماطلة تل أبيب في الإفراج عنهم منذ السبت الماضي.
تحدّث الأسرى عن جرائم الاحتلال في السجون، وأبرزها سياسة التجويع، التي غيّرت ملامحهم جميعًا.
وصرخ أحد الأسرى لحظة الإفراج عنه: "عذّبونا وجوّعونا... إياكم أن تتركوا الأسرى، كلهم في خطر!"
وفي رسالة تلقتها زوجة أسير من مدينة غزة عبر أحد المحامين الذين سُمح لهم بزيارته إلى جانب عدد من الأسرى، قال فيها إن ظروفهم المعيشية قاسية للغاية، وإن الاحتلال يعتمد سياسة التجويع في جميع السجون، إلا أن أسرى غزة تُمارَس ضدهم جرائم أبشع.
وأوضح الأسير أن الطعام المقدم له ولزملائه يوميًا لا يتعدى عشر حبات فاصوليا وملعقتين من الأرز فقط.
وأضاف أن الأسرى لا يحصلون على أي مشروبات ساخنة أو أي نوع من الفواكه والخضار، وأن الطعام الذي يُقدَّم لغرفة تضم 12 أسيرًا لا يكفي حتى لأسير واحد.
وأشار إلى أنه خلال النهار، تُعصَّب أعين الأسرى، وتُقيَّد أيديهم، مع منعهم من الحركة أو الكلام، بينما يُسمح لهم بدخول الحمّام مرة واحدة فقط يوميًا عند المغرب. كما يتعرض الأسرى للتعذيب ثلاث مرات أسبوعيًا دون توجيه أي تهمة.
تفسّر صرخات الأسرى وشهاداتهم حالة الهزال والضعف التي تسيطر على كل من أُفرج عنهم من سجون الاحتلال.
وكان الوزير المتطرف السابق إيتمار بن غفير قد تفاخر بإقراره سياسة التجويع، عبر تقليص وجبات الطعام المقدمة للأسرى الفلسطينيين منذ بداية الحرب على قطاع غزة، كإجراء عقابي وانتقامي.
وقد تركت هذه السياسة أثرًا واضحًا على الأسرى، حيث فقدوا أوزانهم بشكل كبير، وبدت عليهم علامات الضعف العام، وهو ما يظهر جليًا على وجوه المحررين.
تكشف المقارنة بين الحالة الجسدية للأسرى الفلسطينيين قبل الاعتقال وبعد إطلاق سراحهم فقدانهم لعشرات الكيلوغرامات خلال فترة احتجازهم، مما يبرز حجم الجريمة التي يتعرضون لها.
وفي هذا السياق، صرّح المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان بأن التدهور الحاد في الحالة الصحية والجسدية للأسرى الفلسطينيين، الذين أُفرج عنهم ضمن صفقة التبادل، يعكس الظروف القاسية التي عاشوها خلال اعتقالهم، بما في ذلك التعذيب وسوء المعاملة والتجويع المتعمد، واصفًا ظروف الاحتجاز في سجون الاحتلال بأنها "قبور للأحياء".
وثّق المرصد شهادات عدد من المفرج عنهم، الذين أجمعوا على أن الاحتلال ينتهك حقوق الأسرى بشكل صارخ، في انتهاك واضح للقوانين الدولية.
وأشار إلى أن بعض الأسرى الذين أُفرج عنهم احتاجوا إلى نقلهم فورًا إلى المستشفيات لإجراء فحوصات طبية عاجلة، فيما بدا عدد منهم غير قادر على التعرف على الأشخاص الذين كانوا في استقبالهم لحظة الإفراج عنهم، بسبب التنكيل والإذلال والتجويع والتعذيب المنهجي الذي تعرضوا له، بمن فيهم أولئك الذين كانوا محتجزين قبل السابع من أكتوبر 2023.
وفي السياق ذاته، تحدثت الأمم المتحدة في بيان لها عن الانتهاكات الإسرائيلية واسعة النطاق والمنهجية بحق الأسرى الفلسطينيين على مدى عقود، مشيرة إلى أن غياب أي قيود على ممارسات الاحتلال منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 قد يصل إلى جريمة ضد الإنسانية يمكن منعها.
وأوضحت الأمم المتحدة، نقلًا عن خبراء أمميين مستقلين تلقوا تقارير موثّقة، أن الاحتلال يمارس انتهاكات لاإنسانية بحق الأسرى الفلسطينيين، من بينها:
احتجازهم في سجون أشبه بالأقفاص.
تقييدهم إلى أسرّة وهم معصوبو الأعين وعراة، وإجبارهم على ارتداء الحفاضات.
تعمّد حرمانهم من الرعاية الصحية الكافية، والغذاء، والماء، والنوم.
هذه الشهادات والتقارير تكشف عن جريمة مستمرة ترتكب بحق الأسرى الفلسطينيين، في ظل صمت دولي وتجاهل للانتهاكات الجسيمة التي تُمارَس ضدهم يوميًا