يعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الواجهة بتصريحاته المتطرفة، التي تعكس ازدواجية المعايير الأمريكية الواضحة في تعاملها مع قضايا الشرق الأوسط، وتحديدًا القضية الفلسطينية. آخر هذه التصريحات جاءت عقب لقائه بعدد من أسرى الاحتلال المفرج عنهم من قطاع غزة، حيث جدد تهديده لغزة، محاولًا تصوير الاحتلال الإسرائيلي كضحية، متجاهلًا عقودًا من القمع والجرائم التي ترتكب بحق الفلسطينيين.
دعم غير مشروط لـ(إسرائيل) وصمت على جرائمها
من الواضح أن ترامب، ومن خلفه الإدارة الأمريكية، لا يتعاملون مع القضية الفلسطينية بمعايير العدالة والإنسانية، بل وفق منطق المصالح السياسية والعلاقات الاستراتيجية. فعندما يتحدث عن "احتجاز الجثث"، يغفل – أو يتجاهل عمدًا – أن الاحتلال الإسرائيلي يحتجز جثامين الأسرى الفلسطينيين بعد وفاتهم، بل ويحكم عليها بإكمال مدة محكومياتها حتى بعد استشهاد أصحابها. هذا ليس مجرد انتهاك قانوني، بل جريمة أخلاقية تمارسها (إسرائيل) لعقود، دون أي اعتراض أو إدانة من واشنطن.
وبينما يذرف ترامب الدموع على الأسرى الإسرائيليين، لا يجد في قلبه – ولا في سياساته – أي مساحة للتعاطف مع أكثر من 7,000 أسير فلسطيني، يقبع بعضهم في السجون منذ عقود، في ظروف غير إنسانية، وغالبيتهم دون محاكمة عادلة. ولا نسمع منه أي حديث عن 17,000 طفل استشهدوا تحت القصف الإسرائيلي منذ بدء العدوان على غزة.
ترامب.. تحريض متواصل وشحنات انفعالية
خطاب ترامب ليس جديدًا، فهو يستند إلى عقلية استعلائية عنصرية، تضع الفلسطينيين في خانة "الإرهابيين"، وتصور الإسرائيليين على أنهم "ضحايا". لكن هذه المرة، بدا ترامب أكثر انفعالًا بعد لقائه الأسرى الإسرائيليين المفرج عنهم، ما جعله يطلق تهديدات بحرق غزة، وكأنه صاحب القرار العسكري الإسرائيلي.
تلك الشحنات الانفعالية تعكس مدى تورط ترامب – بل والإدارة الأمريكية ككل – في دعم آلة الحرب الإسرائيلية دون قيد أو شرط. فقد تفاخر خلال حديثه بأنه "أرسل كل الأسلحة للاحتلال لإنهاء الأمر"، متناسيًا أن هذه الأسلحة لم تُستخدم إلا لقتل المدنيين وتدمير منازل الأبرياء في غزة.
أين الدبلوماسية؟ وأين الإعلام الحر؟
في ظل هذا الانحياز الفاضح، يبرز تساؤل مهم: لماذا لم تنجح الدبلوماسية العربية والدولية في إيصال حقيقة الجرائم الإسرائيلية لترامب وأمثاله؟ لماذا لم يُعرض عليه توثيق عمليات الإعدام الميداني، أو صور المستشفيات التي تعج بآلاف الجرحى من الأطفال والنساء؟
أما الإعلام، فله دور لا يقل خطورة. فبينما يتسابق الصحفيون الأمريكيون لالتقاط تصريحات ترامب وإعطائه منصة للتحريض، لا نجد منهم من يجرؤ على سؤاله عن الأسرى الفلسطينيين، أو عن جثامين الشهداء المحتجزة، أو عن آلاف العائلات التي مُحيت من السجل المدني بفعل القصف الإسرائيلي.
أمريكا تزرع الموت وتتحدث عن السلام
المنطق الذي يحكم السياسة الأمريكية في التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي لا يقوم على مبادئ العدالة أو القانون الدولي، بل على المصالح الضيقة والانحياز الأعمى. فواشنطن التي تصمت على مذابح غزة، هي نفسها التي ترفع شعار "حقوق الإنسان" عندما يتعلق الأمر بمصالحها أو حلفائها.
ترامب نموذج فج لهذا النفاق السياسي، لكنه ليس الوحيد. فالإدارات الأمريكية المتعاقبة كانت دائمًا متواطئة في دعم الاحتلال، سواء بالصمت على جرائمه، أو بمده بالسلاح، أو بتوفير الغطاء السياسي له في المحافل الدولية.
لكن الحقيقة تبقى أقوى من أي دعاية سياسية، والواقع في فلسطين يفرض نفسه: الاحتلال هو الجريمة الحقيقية، والمقاومة هي الحق المشروع، مهما حاول ترامب وأمثاله طمسها أو تشويهها.