كل صباح، يقف الأربعيني رائد أبو الحسن على تلة من الركام، يُلقي بنظره صوب بيته المدمر في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، وكأن عينيه تبحثان بين الأنقاض عن ماضٍ سرقته الحرب.
عاد إلى غزة بعد خمسة عشر شهرًا من النزوح، بعد أن أُجبر هو وعائلته على مغادرة منزله بسبب حرب الإبادة التي شنها الاحتلال الإسرائيلي، والتي خلفت أكثر من 160 ألف شهيد وجريح.
لكن العودة لم تكن كما حلم، فقد بات عاجزًا عن الوصول إلى منزله بسبب تمركز دبابات الاحتلال على الحدود الشرقية للمدينة، حيث كان يقيم.
مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 19 يناير الماضي، بدأ آلاف النازحين بالعودة إلى حي الشجاعية، على أمل العثور على بقايا منازلهم أو ما يمكنهم إنقاذه من ذكرياتهم.
ورغم أن الحي، الذي يُعد أحد أكبر أحياء غزة، كان شاهدًا على معارك شرسة خاضتها المقاومة ضد الاحتلال، فإن الحرب الأخيرة دمرت أجزاءً واسعة منه، وسوّت الكثير من منازله بالأرض.
"حلم العودة الممنوع"
لم يتوقف أبو الحسن عن المحاولة. مرارًا حاول الوصول إلى بيته المدمر، علّه يتمكن من انتشال بعض ملابس أطفاله وأغطية تقيهم برد الشتاء القارس، لكنه في كل مرة كان يعود خائبًا، إذ كانت دبابات الاحتلال وقذائفه تحاصر الحلم، مستهدفةً أي حركة في خرقٍ سافر لاتفاق وقف إطلاق النار.
وعلى مقربة من منزله، تواصل آليات الاحتلال توغلها اليومي لمسافات تتراوح بين 300 و500 متر، ترافقها إطلاقات نارية مكثفة، وتخريب للمنازل والأراضي الزراعية، في محاولة لنشر الذعر والخوف بين سكان المنطقة.
أمام هذا الواقع، لم يجد أبو الحسن مأوى سوى خيمة في مركز إيواء مدرسة جمال عبد الناصر الثانوية، والتي تبعد عن بيته المدمر مئات الأمتار. يقلب هاتفه المحمول بين يديه، وعيناه تفيضان بالوجع وهو يحدق في صور منزله المدمر. "كل يوم أصعد إلى جبل الركام المجاور للإيواء لألقي نظرة على بيتي.. قلبي يعتصره الألم، وكل حلمي أن أعود إليه، حتى لو اضطررت إلى نصب خيمتي فوق أنقاضه"، يقول بصوت مخنوق.
"وحده في مواجهة الألم"
وعلى مقربة من أبو الحسن، جلس صديق الدراسة حماد سليم (45 عامًا) في صمت ثقيل، كأن روحه مثقلة بالحزن. كان ينظر أمامه وكأنه ينتظر من يواسيه، لكنه لم يكن بحاجة إلى الكلام، فقد كانت خيمته وحدها تروي فاجعته.
كان يعيش فيها وحيدًا بعد أن فقد ثلاثة من أطفاله في مجزرة المعمداني بمدينة غزة، بينما أصيب طفله الآخر بإعاقة دائمة، وزوجته بجروح خطيرة ما زالت ترقد على إثرها في المستشفى.
يروي سليم، بصوت تخنقه الدموع، كيف اضطر إلى النزوح من جديد بعد المجزرة، هذه المرة إلى منطقة الزوايدة وسط قطاع غزة، ليبدأ رحلة أخرى من المعاناة والوجع.
ورغم أنه يعلم أن بيته على الحدود الشرقية قد دُمّر بالكامل، فإنّه، كغيره من سكان الحي، لا يزال عاجزًا عن الوصول إليه بسبب توغل الاحتلال المستمر.
"كل محاولات تهجيرنا ستفشل، وسنبقى صامدين على أرضنا"، يؤكد سليم، متمسكًا بحلم إعادة إعمار منزله والعودة إليه، مهما طال الزمن.
"اتفاق هش.. وخروقات لا تتوقف"
لم يكن سليم وأبو الحسن وحدهما في هذه المأساة، فحكومة الاحتلال واصلت التلاعب باتفاق وقف إطلاق النار، مرتكبةً مئات الخروقات، من التوغلات اليومية وإطلاق النار العشوائي إلى استهداف المدنيين وتدمير المنازل. في الوقت نفسه، استمرت الطائرات الحربية في التحليق خلال الفترات المحظورة، بينما كانت المقاومة الفلسطينية تلتزم بكافة بنود الاتفاق، وسلّمت 33 أسيرًا إسرائيليًا، بينهم 8 جثامين.
في غزة، لا شيء يضمن بقاء الاتفاقات، ولا شيء يمنح الأمل للنازحين سوى إصرارهم على الصمود. وبين الركام والخيام، يقف الآلاف يحلمون بالعودة، حتى وإن اضطروا لبناء حياة جديدة فوق أنقاض منازلهم القديمة.