بسبب إغلاق المعابر ومنع دخول الوقود 

في غزة.. يصبح الماء حلمًا صعب المنال

الرسالة نت - كارم الغرابلي

جلس الطفل أحمد أبو الشيخ، ابن العشر سنوات، فوق أنقاض منزله المدمر بحي الشجاعية شرقي غزة، تتعلق عيناه بالشارع، يترقب مرور عربة الماء وكأنها سفينة نجاة في صحراء قاحلة. 

كان يحمل عبوة فارغة، أملاً في ملئها بماء نظيف يروي عطش عائلته خلال إفطار رمضان، لكن الانتظار طال، والعربة لم تأتِ.

في منزله، حيث يزدحم المكان بعشرة أفراد، بات العطش كابوسًا يخنقهم منذ أسبوع. 

فالمعابر مغلقة، والوقود محظور، ومحطات التحلية متوقفة.

 لم يعد هناك خيار سوى البحث عن الماء بأي وسيلة؛ قرر أحمد، برفقة أخيه الأكبر، التوجه إلى محطة المياه، متشبثًا ببقايا الأمل في ظل صيام رمضان.

عند وصوله، كان المشهد أشبه بطابور نجاة، عشرات الأجساد الهزيلة تقف بانتظار دورها، عيونهم تلهج بالدعاء، كل منهم يحمل عبوة فارغة وكأنها استغاثة صامتة. 

لكن الصدمة كانت أثقل من احتماله. جاء صوت العامل كرصاصة باردة: "المضخات توقفت. لا يوجد ماء."

سياسة التعطيش 

وتعد سياسة التعطيش في غزة جزءًا من الحرب الشاملة التي يشنها الاحتلال (الإسرائيلي) بقيادة المجرم والمطلوب للعدالة بنيامين نتنياهو، وتهدف إلى إضعاف السكان وإجبارهم على العيش في ظروف كارثية. 

ويعمد الاحتلال إلى تدمير البنية التحتية للمياه، وتقليل كميات المياه التي تصل إلى الفلسطينيين، ومنع دخول الوقود والمواد اللازمة لتشغيل محطات التحلية والصرف الصحي.

ومع انتهاء المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، ودون دخول المرحلة الثانية جراء تنصل حكومة نتنياهو، صعدت الأخيرة من تهديداتها لسكان القطاع، خاصة فيما يتعلق بإعادتهم لمربع التجويع والتعطيش الذي لم يغادروه أصلاً منذ دخول الهدنة حيز التنفيذ في 19 يناير/كانون الثاني الماضي. 

فقد أعلنت حكومة الاحتلال إغلاق المعابر ومنع دخول المساعدات والوقود اللازم لتشغيل محطات تحلية المياه، إلى جانب قطع الكهرباء والمياه والتهديد باستئناف الحرب.

شحب وجه أحمد، وشعر بثقل العبوة في يده وكأنها حجر يسحبه نحو الأرض.

 سار بخطى متثاقلة عائدًا، محاولًا إخفاء الخيبة، لكن كيف يخفي العطش؟ عند وصوله، استقبلته عيون إخوته الجافة، وشفاههم التي تعبت من الرجاء. في تلك اللحظة، فهم أحمد معنى العجز.

الطفل آدم حجاج، ابن الست سنوات من سكان الشجاعية المدمرة، هو الآخر كان يراقب آخر قطرات الماء تتساقط من صنبور خزان شبه فارغ، قرب ركام منزل عائلته المدمر. 

مد يده الصغيرة، علّه يلتقط بعض القطرات التي بالكاد بللت شفتيه، لكنها لم تكن كافية لتروي ظمأ روحه.

عند الظهيرة، قررت والدته البحث عن الماء، فحملت عبوة بلاستيكية صغيرة وتوجهت إلى محطة المياه القريبة، ممسكة بيد آدم الذي كان يسير بصمت، وكأنه يدرك أن الماء في غزة ليس حقًا، بل حلمًا. 

وصلوا ليجدوا طابورًا يمتد لعشرات الأمتار، رجال، نساء، وأطفال ينتظرون بصبر، لأن الماء لم يعد مجرد ضرورة، بل صار كنزًا.

مرت ثلاث ساعات، وأخيرًا اقترب الدور. كاد قلب آدم الصغير يقفز فرحًا، لكن الفرحة لم تدم طويلاً. جاء صوت العامل معتذرًا: "المياه نفدت. لا يوجد المزيد لهذا اليوم." 

نظر آدم إلى والدته بعيون ممتلئة بالدموع، وتمتم بصوت مرتجف: "هل سنعود للبيت دون ماء؟"

وفي ذلك اليوم، عاد آدم وأمه إلى المنزل دون ماء، لكن بدرس قاسٍ: في غزة، حتى الماء قد يصبح سُمًا.

ويعتمد قطاع غزة على ثلاثة مصادر رئيسية للمياه: الأول الآبار الجوفية التي طال معظمها التدمير (الإسرائيلي)، والثاني ثلاث محطات للتحلية، اثنتان منهما تعطلت عن العمل خلال الإبادة، بينما تعمل الثالثة بقدرة إنتاجية لا تتجاوز 5 بالمئة بسبب أزمة الوقود.

 أما المصدر الثالث فهو المياه المشتراة من شركة "ميكروت" (الإسرائيلية)، والتي تشمل ثلاث وصلات شمال غزة ووسطها وجنوبها، حيث كانت تزود القطاع بنحو 52 ألف متر مكعب يوميًا. وقطعتها حكومة الاحتلال أول أيام الحرب لتعيدها بشكل مقيد وجزئي بعد اتفاق الهدنة الأول في نوفمبر/تشرين الثاني 2023.

أزمة كارثية 

وكان سلامة معروف، رئيس المكتب الإعلامي الحكومي، قد أكد في تصريح صحفي أن استمرار الاحتلال في منع إدخال الوقود والمساعدات إلى قطاع غزة يفاقم الأوضاع الإنسانية، وينذر بكارثة شاملة تهدد حياة أكثر من 2.4 مليون إنسان.

 وأوضح معروف أن البنية التحتية للقطاع تتجه نحو الانهيار، حيث توقفت محطات تحلية المياه وآبار الشرب، وتكدست النفايات نتيجة توقف خدمات البلديات، بالإضافة إلى طفح برك مياه الصرف الصحي بسبب تعطل محطات المعالجة.

وأكد معروف أن استمرار هذا الوضع دون تدخل دولي عاجل سيؤدي إلى شلل تام في كافة القطاعات الخدمية والصحية، مشددًا على أن رفع الحصار وإدخال الوقود والمساعدات بات أمرًا ملحًا لتجنب وقوع كارثة إنسانية غير مسبوقة.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير