في فجر اليوم، عاد الموت ليحصد أرواح الأبرياء في أزقة قطاع غزة. يجوب الناس باحات المستشفيات كالتائهين، يبحثون بين الجثامين عن أحبة فقدوهم في فصل جديد من الإبادة الجماعية، أعادت (إسرائيل) إحياءه.
بدأت القنابل تُمزق سماء المدينة بأصواتها الرهيبة، حاملة معها شبح الدمار والخراب. منذ ساعات الصباح الأولى، بدأ الاحتلال الإسرائيلي تصعيدًا همجيًا على مختلف مناطق القطاع، حيث طالت القذائف المنازل والأحياء السكنية من شمال القطاع إلى جنوبه، وبدأ كابوس قتل عائلات بأكملها يعود من جديد وآخرها كان في بلدة عبسان شرقي خان يونس حيث ارتكب الاحتلال مجزرة جديدة راحت ضحيتها عائلة أبو دقة التي فقدت ثلاثة من أفرادها، وهم يواجهون مصيرهم في مركبتهم المدنية.
ازدحمت المستشفيات بالشهداء والجرحى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن تلبية احتياجات الجميع. وعلى الشاشات، كانت مشاهد الدمار تتوالى، بينما كان مدير مستشفى الشفاء، الدكتور محمد أبو سلمية، يصف أهوال الجريمة التي ارتكبها الاحتلال بحق المدنيين الأبرياء وهم نيام.
وقال أبو سلمية: "الكارثة لا تكمن في عدد الشهداء فحسب، بل في الواقع المأساوي الذي يعيشه القطاع"، محذرًا من أن "العدد الكبير من الجرحى سيفقدون حياتهم بسبب نقص الإمكانيات والمستلزمات الطبية"، متسائلًا: "كيف لنا أن ننقذ الأرواح في ظل هذه الظروف الكارثية؟"
في كل زاوية من غزة، يترك العنف بصماته على الوجوه. وفي مستشفيات الشفاء والمعمداني ومجمع ناصر الطبي، يزداد الوضع سوءًا مع كل دقيقة تمر. عشرات الشهداء ما زالوا تحت الأنقاض، بينما تكتظ أروقة المستشفيات بالجرحى في حالة من الذعر، وجهاز الصحة في غزة يئن تحت وطأة النقص الحاد في المعدات والدواء.
في تلك اللحظات، تُمحى العائلات من الوجود بشكل جماعي، عائلات بأكملها تُشطب من السجل المدني، وأسماء تُسجَّل في التاريخ، لكنها لم تعد تعيش فيه.
سبعة من عائلة جرعون، ومثلهم من عائلة أبو طير، ضحايا جدد سقطوا في زحام الهجوم الإسرائيلي الذي ضرب القطاع من شماله إلى جنوبه. ويزداد العدد، حتى نراه فوق خيالات البشر، 30 شهيدًا من عائلة قراقع في قصف على مدينة غزة، ارتقوا في ضربة واحدة، و15 من عائلة برهوم، استشهدوا في لحظة واحدة في قصف على مدينة رفح، بينما احترقت الأجساد في قصف على خيام النازحين في منطقة المواصي، وارتقى 5 من عائلة شبانة، و4 من عائلة أبو مرزوق، وكأننا لا نموت فرادى، بل نحلق كأسراب حمام إلى السماء.
الأبرياء الذين كانوا يقاومون الحياة في غزة ماتوا صائمين، جائعين بعد 17 يومًا من حصار خنق أهالي القطاع، تجويع وتعطيش، بعد أن خلت الأسواق من أي طعام يسد الرمق، وبدأ شبح المجاعة يلوح في الأفق، فإذا بآلة القتل الإسرائيلية تصاحب الحصار في سلسلة إبادة لا يخيل لأحد أنها ستنتهي، والأهالي في انتظار انفراجة قد لا تأتي. حصار شديد، شوارع غارقة في الدمار، وأجساد بلا رؤوس، أمهات وبنات وأطفال، مسحوا من سجلات الحياة كما لو أنهم لم يكونوا هنا، لم يكونوا يومًا ما بيننا.
لكن في وقت غرق فيه هؤلاء في الدماء، كان صمت العالم يثير القلق، بل يميل إلى التواطؤ. ما بين تقارير إعلامية متحفظة، وحوارات دبلوماسية لم تكن تحمل أي حل، جاء الموقف الأمريكي ليدعم الاحتلال بلا خجل، ويقول إنه كان على علم بالهجوم، بل أن (إسرائيل) استشارته في ذلك، ليتأكد للجميع أن المصالح السياسية العالمية لا تتأثر برائحة الدم.
وأعلن المكتب الإعلامي الحكومي عن ارتقاء أكثر من 356 شهيدًا ومفقودًا في غضون 5 ساعات فقط، إضافة إلى عشرات الإصابات، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن، وذلك خلال استمرار القصف المكثف على قطاع غزة، ثم طالب من جديد هذا العالم الأصم بالتحرك.
300 طائرة حربية شاركت في هذه المجزرة، حسب اعتراف الاحتلال، في ظل صمت القبور التي لا تسمع ولا ترى، والكل يعلم أن هذه المجازر ليست سوى حلقة جديدة في مسلسل طويل من العنف والإبادة ضد الشعب الفلسطيني.
العدوان الإسرائيلي ليس مجرد حرب عسكرية، بل هو استنزاف لكل شيء، حرب على الذاكرة، على الوطن، على الهوية الفلسطينية نفسها. غزة اليوم تعيش مرارة الموت والألم من جديد، لكن غزة لا تنكسر، لأن في قلب كل شهيد، جرح، وعائلة فلسطينية، تنبض الحياة بالأمل في انتصار الحق، ولو تأخر.