في خطوة تعكس توجهات الاحتلال نحو إعادة رسم المشهد السياسي والجغرافي في الضفة المحتلة والسيطرة عليها، كشفت تقارير "عبرية" عن خطط لإنشاء أقاليم منفصلة، تبدأ من مدينة الخليل، بهدف تفكيك السلطة الفلسطينية وتعزيز السيطرة (الإسرائيلية) عليها.
هذه التقارير العبرية تتزامن مع عدوان (إسرائيلي) على محافظات الضفة المحتلة وتهجير أكثر من 80 ألف مواطن من جنين ونابلس وطولكرم، وذلك بعد استئناف الاحتلال عدوانه على غزة، في ظل صمت عربي ودولي على جرائم الاحتلال.
من الواضح أن الاحتلال يسعى من خلال هذا المخطط إلى إنهاء السلطة فعليًا، رغم استمرارها في خيار التنسيق الأمني والتعاون مع (إسرائيل) في وأد المقاومة بالضفة.
وتهدف مخططات الاحتلال إلى تحويل الضفة إلى "كنتونات" منفصلة يسهل التحكم بها عبر تشكيل قيادة محلية تتولى إدارة المنطقة، تحت إشراف حكومة الاحتلال والجيش (الإسرائيلي).
خلق أقاليم منفصلة بالضفة!
وكشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية أن أوساطًا سياسية وأمنية لدى الاحتلال تبحث إمكانية إعادة هيكلة السلطة في الضفة عبر تفكيكها بصيغتها الحالية، وتحويل المناطق الخاضعة لها إلى أقاليم تتمتع بصلاحيات محلية مستقلة لكل مدينة على حدة.
وأشارت الصحيفة إلى أن الخطة المقترحة قد تبدأ كتجربة في مدينة الخليل، حيث يتم إنشاء قيادة محلية تتولى إدارة شؤون المدينة بالتنسيق المباشر مع حكومة الاحتلال وجيشه، في خطوة من شأنها تقويض دور السلطة المركزية التي يقودها رئيسها محمود عباس.
جزء من سياسة استعمارية!
ويرى المحلل السياسي سليمان بشارات أن المخطط (الإسرائيلي) لتقسيم الضفة إلى أقاليم منفصلة، بدءًا من الخليل، يأتي في سياق استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تفكيك وحدة الضفة المحتلة وعزلها عن القدس بشكل نهائي، وإنهاء وجود السلطة بكل مكوناتها.
ويشدد بشارات، في حديثه لـ"الرسالة"، على أن هذه الخطوة ليست مجرد إجراء أمني، كما تروج له الأوساط (الإسرائيلية)، بل هي جزء من سياسة استعمارية تهدف إلى فرض أمر واقع جديد يخدم المشروع الاستيطاني في الضفة المحتلة.
ويشير إلى أن أهداف الاحتلال من هذه الخطة تتمثل في تقسيم الضفة إلى مناطق حكم ذاتي محلية، ما يخلق حالة من التجزئة الجغرافية والإدارية، ويضعف أي كيان سياسي فلسطيني موحد.
كما تسعى الخطة إلى إضعاف السلطة تدريجيًا حتى إنهائها، من خلال تقليل نفوذها في المدن والمناطق الحيوية، واستبدالها بإدارات محلية تخضع بشكل غير مباشر لسيطرة الاحتلال.
وينوه بشارات إلى أن من بين خطط الاحتلال تعزيز مشروع الضم التدريجي، حيث يتيح تقسيم المناطق فرض سيطرة (إسرائيلية) مباشرة على أجزاء واسعة من الضفة دون الإعلان الرسمي عن الضم، إضافة إلى إعادة تشكيل التوازن الديموغرافي عبر تقليل النفوذ الفلسطيني في بعض المناطق، وزيادة التوسع الاستيطاني دون وجود معارضة سياسية قوية.
لماذا الخليل أولًا؟
يقول بشارات إن اختيار الخليل كنقطة بداية لهذه الخطة لم يكن عشوائيًا، فالمحافظة تتمتع بخصوصية سياسية وديموغرافية تجعلها نموذجًا مناسبًا لتجربة هذا المخطط، حيث يوجد فيها واحد من أكبر تجمعات المستوطنين في الضفة، وخصوصًا في مستوطنة "كريات أربع" والمستوطنات الأخرى داخل المدينة.
ويوضح أن المدينة تعاني من انقسام إداري فعلي منذ اتفاقية الخليل عام 1997، حيث قُسمت إلى منطقتي H1 (تحت سيطرة السلطة) وH2 (تحت سيطرة الاحتلال)، مما يسهل على الاحتلال توسيع هذا التقسيم ليشمل مناطق أخرى.
كما أن المدينة تشهد وجودًا عسكريًا (إسرائيليًا) مكثفًا، ما يجعل فرض أي تغيير على الوضع الإداري أكثر قابلية للتنفيذ مقارنة بمناطق أخرى، وفق ما تحدث به المحلل السياسي بشارات لـ"الرسالة".
وكشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية عن تسجيل زيادة بعشرات النسب المئوية في بناء الوحدات الاستيطانية مقارنة بالعام السابق.
وتشير البيانات المتاحة على موقع الإدارة المدنية (الإسرائيلية) في الضفة المحتلة إلى أنه تم حتى اليوم الدفع قُدمًا بأكثر من 10 آلاف وحدة استيطانية إلى مراحل مختلفة، مقارنة بالفترة المماثلة في عام 2024، التي شهدت المصادقة على حوالي 3400 وحدة.
استنفاد دور السلطة!
ويرى الكاتب والمحلل السياسي والمتابع لشؤون الضفة المحتلة، ياسين عز الدين، أن الاحتلال بات يخطط بشكل جدي لإنهاء السلطة، بعد أن استنفد دورها الأمني في كبح المقاومة الفلسطينية.
ويؤكد عز الدين، في حديث لـ"الرسالة"، أن هذا التوجه يتزامن مع مخططات (إسرائيلية) لخلق أقاليم منفصلة في الضفة، بدءًا من الخليل، بهدف تفكيك وحدة الأرض الفلسطينية وإضعاف أي مشروع سياسي مستقبلي.
ويشير إلى أن الاحتلال استخدم السلطة خلال السنوات الماضية كـ"وكيل أمني" لكبح المقاومة، لكن تصاعد العمل المقاوم في الضفة، وخاصة في جنين ونابلس ومؤخرًا الخليل، دفع الاحتلال إلى إعادة التفكير في البدائل.
وينوه الكاتب عز الدين بأن الاحتلال بات يفكر في استبدال السلطة بنظام إداري جديد أكثر تفككًا، يمنع ظهور أي كيان موحد قد يشكل تهديدًا سياسيًا أو أمنيًا في المستقبل.
كما يشير إلى أن الاحتلال لا يريد التخلص من السلطة بشكل مفاجئ، لكنه يسعى إلى تفكيكها تدريجيًا عبر تقليص دورها وحصره في الجوانب المدنية، ومن ثم استبدالها بنظام إداري أكثر طواعية وخضوعًا للمخططات (الإسرائيلية).
ويرى عز الدين أن استمرار التنسيق الأمني بين السلطة والاحتلال لم يعد كافيًا من وجهة نظر الاحتلال، لأن المقاومة تطورت إلى مستوى يجعل من الصعب احتواؤها بالأساليب التقليدية.
ويختم بقوله: "الاحتلال لا يريد سلطة فلسطينية قوية، ولا حتى ضعيفة، بل يسعى إلى تفكيك أي كيان سياسي فلسطيني قادر على إدارة نفسه، وتحويل الضفة إلى كانتونات معزولة بلا أي أفق سياسي أو سيادي".