في خطوة تعكس حرص حركة حماس على مصلحة شعبنا الفلسطيني، كشفت مصادر قيادية في الحركة عن قرارها بعدم تعيين بديل للقيادي الراحل عصام الدعاليس في رئاسة لجنة متابعة العمل الحكومي، وهو ما يشير إلى تحوّل نوعي في طريقة إدارة قطاع غزة، ويفتح الباب أمام دور موسّع لما يُعرف بـ"لجنة الإسناد المجتمعي"، في إطار مرحلة جديدة تتسم بالتكافل الوطني وإعادة ترتيب الأولويات في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي الشرس على القطاع.
الحكم ليس هدفًا
لطالما اتُهمت حركة حماس بالتمسك بإدارة غزة، لكن الوقائع السياسية منذ سنوات، لا سيما منذ اندلاع الحرب الأخيرة، تثبت عكس ذلك. فالحركة، رغم فوزها الساحق في انتخابات تشريعية ديمقراطية ونزيهة عام 2006، لم تُمنح الفرصة لحكم فعلي، بل جوبهت بحصار سياسي ومالي خانق قادته السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس، بدعم من قوى إقليمية ودولية. وقد استخدمت تلك الأطراف كل الأدوات، بما فيها العقوبات والاعتقالات والتحريض الإعلامي ولاحقا الاغتيالات، لعزل حماس وتجريمها سياسيًا.
تحولات تنظيمية ودلالات سياسية
يرى المحلل السياسي د. إياد القرا أن قرار حماس بعدم تعيين بديل للدعاليس يحمل دلالات سياسية وتنظيمية عميقة، تعكس مرونة الحركة واستعدادها للانتقال إلى نموذج "الإدارة المجتمعية" الموسعة، استجابة لتحديات المرحلة الحالية.
وهذا النهج الجديد يُعيد الاعتبار لدور المجتمع المدني والمكونات الشعبية، ويخفف العبء التنظيمي والسياسي عن الحركة في ظل ظروف الحرب والحصار.
شهادات من داخل المطبخ السياسي
الباحث السياسي محمد حامد العيلة، وهو مطلع على دوائر صنع القرار في حماس، قدّم رواية موثقة لتأكيد أن الحركة ليست متمسكة بإدارة غزة، بل تراها عبئًا تسعى للتخلص منه لصالح حكومة توافق وطني أو ما يرتضيه الشعب الفلسطيني. وسرد ثلاث محطات أساسية تثبت هذه الحقيقة:
1. الإعمار مقابل الوحدة: خلال لقاء مع مسؤول رفيع من دولة كبرى، وافقت حماس مباشرة على تشكيل حكومة وحدة وطنية مقابل إعادة إعمار غزة، بينما رفضت قيادة فتح العرض بذريعة "أولوية وقف الحرب".
2. اجتماع موسكو – فبراير 2024: رغم التوافق على تشكيل حكومة وحدة وطنية، استخدمت فتح اللقاء كورقة ضغط لتمرير حكومة محمد مصطفى، دون الرجوع لباقي الفصائل.
3. اجتماع بكين – يوليو 2024: تم التوافق مجددًا على تشكيل حكومة توافق بصلاحيات كاملة، لكن محمود عباس رفض إصدار المرسوم الرئاسي، ما عطّل المسار بالكامل.
ما يجري اليوم في غزة ليس صراعًا على السلطة، بل صراع على بقاء الشعب الفلسطيني في وجه مشروع تهجير وإبادة صريح. حماس، رغم كل ما تعرضت له، تحاول الدفع نحو شراكة وطنية حقيقية أو تشكيل حكومة تكنوقراط تتولى مرحلة ما بعد الحرب، لكن المعضلة تبقى في الفيتو الذي ترفعه السلطة الفلسطينية، والتي يبدو أن همّها السياسي يتقدّم على المأساة الإنسانية في غزة.
وإزاء هذا الواقع، فإن قرار حماس بالانسحاب التدريجي من إدارة الشأن الحكومي، يمهّد لمرحلة جديدة عنوانها إعادة بناء غزة بمسؤولية جماعية، على قاعدة الشراكة لا الإقصاء. ومن هنا، فإن الكرة باتت في ملعب القوى السياسية الفلسطينية كافة، لتجاوز الحسابات الفصائلية الضيقة، واستثمار هذه اللحظة التاريخية لتوحيد الصف الوطني وإنقاذ غزة مما يُخطط لها.