يأتي عيد الفطر للعام الثاني على غزة كغريبٍ بلا ملامح؛ يدخل على بيوتٍ فقدت شكلها، وعلى أسرٍ فقدت أبناءها، وعلى أطفالٍ لم يعرفوا سوى الحرب، ولا ينتظرون من العيد سوى أن يأتي دون قصف.
منذ ما يقارب الشهر، ومعبر رفح مغلق؛ شريان الحياة الوحيد لأكثر من مليوني إنسان مقطوع، كأن العالم كله قرر أن ينسى غزة في أسوأ أوقاتها. لا مواد غذائية تدخل، لا دواء، لا وقود، ولا حتى ماء كافٍ. ومع إغلاقه، اختنقت غزة أكثر، وصارت الأيام تمضي بلا أبسط مقومات البقاء.
غابت الطقوس التي كانت تصنع روح العيد: لا كعك على الطاولات، فالناس هنا يخبزون على الحطب، ويكتمون الجوع كما يكتمون الدموع. الأسواق فارغة؛ لا طحين، لا زيت، لا سكر، ولا حتى حديث عن بهجة. حتى رائحة الكعك، التي كانت تسبق العيد بأيام، غابت كما غابت أشياء كثيرة.
تقول تحرير زيدان، وهي سيدة اعتادت العمل في صناعة الكعك والمعمول وبيعه للمنازل، إن هذا العيد يمر دون أن يُنتَج فيه كيلو كعك واحد: "لا طحين، لا سكر، ولا حتى غاز للخبز. كان مشروعي مصدر رزق وسعادة صغيرة للناس، لكن حتى بيتي هذا العام لم تُشمّ فيه رائحة الكعك".
وتضيف: "عدد كبير من العائلات في غزة لم يصنع كعك العيد هذا العام، إذًا لا شيء يُوضع على طاولة ضيافة العيد".
أما شوارع غزة، التي كانت تضجّ بالحياة قبل العيد، فقد باتت اليوم بلا روح. شارع صلاح الدين مغلق، فعُزل الشمال عن الجنوب، وكُسرت صلة الرحم في واحد من أهم أيامها. لا زيارات هذا العيد، لا لقاء بين أم وابنتها، ولا أحفاد يطرقون باب جدّتهم. وحده شارع الرشيد ما زال مفتوحًا، لكن ما سمح به الاحتلال في هذا الطريق هو السير على الأقدام لمسافات تصل إلى سبعة كيلومترات، وتحت خطر الاستهداف.
حتى صباح العيد، الذي يستيقظ فيه أهل غزة على صوت التكبيرات يصدح من المساجد، لم يسلم من القصف؛ إذ استُهدفت معظم المساجد، وغاب صوت التكبيرات كما غابت زينة الأحياء وضحكات الأطفال.
وفي بيتٍ صغير في غزة، تجلس أم عمر، أرملة وأم لطفلين، تحاول أن تحتوي وجعًا لا يُحتوى. تقول: "لا عيد لدينا بعد أن فقدت زوجي. كان من المفترض أن يكون هذا أول عيد يعيشه أطفالي مع والدهم، بعد أن بدأوا يميزون فرحة العيد وتفاصيله الصغيرة، لكنه ارتقى شهيدًا خلال هذه الحرب". وتتابع وهي تمسك بيد طفلتها الصغيرة: "طفلي في الصف الأول لا يكفّ عن السؤال عنه، وطفلتي ذات الثلاثة أعوام ما زالت تنتظر صوته على الباب. لم يتخيلوا أن يأتي العيد دونه، ولا أنا".
رغم كل هذا الخراب، ورغم غياب الزينة، والكعك، والتكبيرات، ورغم أن العيد يأتي إلى غزة مثقلًا بالحزن وثقيل الخطى، فإن الناس هنا لا يزالون يتشبثون بما تبقّى من الحياة. يُمسكون فتات الأمل كما يُمسك الغريق بقشّة. لا عيد في غزة يشبه العيد، لكن فيها ما لا يشبه أحد… فيها شعبٌ لا ينكسر، حتى لو كُسرت فيه كل أسباب الفرح.