لم تكتمل فرحة عائلة عوض في حي الزيتون شرق غزة باستقبال عيد الفطر السعيد، الذي جاء بعد شهر من الصيام والعبادة.
بعد يوم طويل وشاق من التسوق وشراء الملابس الجديدة والحلوى اجتمعت العائلة في غرفة الجلوس لتضع اللمسات الأخيرة على تجهيزات العيد هذا العام ، رغم الوضع الصعب الذي يعيشه سكان القطاع بسبب حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال منذ 18 شهراً واسفرت عن استشهاد وإصابة الآلاف من المواطنين.
في كل عام، كانت العائلة مشغولة بتحضير الكعك، بينما كان الأطفال يساعدون في ترتيب المنزل استعدادًا لاستقبال الأقارب، وصوت التكبيرات يتسلل من المآذن. ولكن هذا العام كان هناك شيء مختلف.
قبل أن تكتمل تحضيرات العيد بيوم، جاء صوت الطائرات في السماء، ليحمل معه دوي انفجار ضخم. اهتزت جدران المنزل، وتناثر الزجاج، وتحول البيت في لحظات إلى كومة من الركام.
تحت الأنقاض، لم ينجُ أحد من أفراد عائلة عوض، فقد رحلوا جميعًا في لحظة واحدة، وانقطعت ضحكات الأطفال؛ تحول نور العيد إلى ظلام دامس، وتهاوت أحلام العائلة تحت الأنقاض. صرخات اختفت في الدخان، وضجيج الفرح تحول إلى صمت مرعب.
في صباح العيد، لم تستيقظ العائلة لارتداء الملابس الجديدة كما كان متوقعًا، بل استفاق الجيران ليبحثوا عن جثامينهم تحت الأنقاض.
يُشار إلى أن طائرات الاحتلال الحربية قصفت منزلًا يعود لعائلة عوض في شارع كشكو بحي الزيتون الجمعة الماضية قبل يومين من حلول عيد الفطر المبارك، ما أدى لاستشهاد 14 مواطنًا بينهم نساء وأطفال، وإصابة آخرين، فيما لا يزال آخرون تحت الركام بين شهيد ومصاب.
ولم تكن عائلة عوض هي الوحيدة التي تعرض بيتها للقصف في غزة، فقد كانت تلك الحادثة جزءًا من مأساة أكبر تعيشها العائلات في القطاع المحاصر. فكل يوم في غزة يحمل معه قصصًا جديدة من الدمار والفقدان.
العدوان الإسرائيلي المتواصل استهدف العديد من المنازل والمرافق في أنحاء متفرقة من المدينة، مخلفًا وراءه جراحًا لا تلتئم، وأحلامًا مدمرة، وأرواحًا تلاشت تحت الأنقاض.
ولم تكن عائلة عوض الوحيدة التي فقدت أحباءها في أول أيام العيد، بل كان هناك العديد من العائلات التي شهدت المصير نفسه ومسحت من السجل المدني.
فقد سجلت وزارة الصحة في غزة ارتقاء 43 شهيدًا في أول أيام عيد الفطر، طالهم قصف طائرات الاحتلال المتواصل.
وحول العدوان المتواصل، حلم الأطفال بفرحة العيد إلى كابوس، وأصبح صوت التكبيرات يختلط مع أصوات الانفجارات.
وبدلاً من أن تنبض شوارع غزة بالحياة وتملأ ضحكات الأطفال أرجاء المدينة، امتلأت تلك الشوارع بأصوات الحزن والآلام.
ولم تكن العائلات التي نجت من القصف في حال أفضل. فقد عاشت تحت وطأة الدمار، تبحث عن مأوى وسط الأنقاض، تجاهد للبقاء على قيد الحياة.
ففي بعض الأحياء، كان الناس يبحثون عن الطعام والشراب وسط الدمار، وبسبب سياسة التجويع والتعطيش التي يمارسها الاحتلال بحق سكان القطاع، فيما كان الأطفال يركضون في الشوارع الحزينة، مفعمين بالأمل رغم الواقع المؤلم الذي يعيشه أهلهم.
وفي كل أنحاء العالم، تتجه أنظار العائلات نحو عيد الفطر بأمل جديد، والأطفال يرافقون أمهاتهم في الأسواق، يختارون ملابسهم الجديدة، ويحلمون بلحظات السعادة التي تجمعهم مع أقاربهم وأحبائهم.
لكن في غزة، الفرحة مفقودة، والمشهد مختلف تمامًا
ومع بزوغ فجر العيد، كان من المفترض أن تملأ المآذن السماء بتكبيرات الفرح، لكن أصوات القصف غطت عليها، وحولت التهاني إلى رسائل تعزية، والزيارات العائلية إلى بحث يائس عن الأحبة تحت الأنقاض، واختلطت رائحة الكعك برائحة البارود.
وفي العادة، تمتلئ المتنزهات والشواطئ بالعائلات في العيد، لكن هذا العام كان المشهد مختلفًا. الآباء يبكون أبناءهم، والأطفال يحملون الورود بدلاً من الألعاب، والأمهات لا يجدن ما يوزعنه سوى الدموع والألم.
ورغم أن كل شيء كان محطمًا، إلا أن غزة أظهرت دائمًا قدرة هائلة على التحدي. الأطفال الذين تعودوا على الحياة بين الأنقاض، أصروا على الاحتفال بطريقتهم الخاصة.
في حي الزيتون المدمر، تجمع مجموعة من الأطفال ليلعبوا كرة القدم بين الحطام. كانوا يقفزون ويضحكون كما لو أن الحرب لم تكن جزءًا من حياتهم اليومية.
بينما كانت الأمهات يختبئن وراء الأبواب المغلقة، يخفين دموعهن، ويصلين من أجل سلام أبنائهن وأزواجهن وأحبائهن،
قالت إحدى الأمهات التي فقدت منزلها: "عيدنا سيكون يومًا ما أفضل، يومًا عندما يعود السلام، ولكن في هذه اللحظة، نعيش الأمل مع كل خطوة".
ورغم الألم، تبقى روح غزة عصية على الانكسار. فهي المدينة التي تعرف كيف تحول الجراح إلى صمود. فقد ظلّت مثالًا للصمود والمقاومة
ورغم فقدان الأحبة، ودمار المنازل، يستمر الأمل في التغلغل في قلوب الناس، في انتظار يوم يعود فيه الأمن والسلام.