"يارب، يارب، احفظنا... احفظنا، نحن هنا فقط لنساعد الناس. لا نريد شيئًا سوى إنقاذ الأرواح... يا أرحم الراحمين، سامحوني يا أمي، سامحوني، أنا في طريق الحق. هذا الطريق الذي اخترناه لم يكن فيه مكان للهرب، لكننا سنظل نقوم بواجبنا، مهما كانت الظروف، فهذه مهمتنا، وهذا قدرنا."
ثم أخذ نفسًا عميقًا وكأنه يستعد للرحيل، لتدوي في الخلفية أصوات انفجارات ورصاص، بينما كانت سيارته في مرمى النيران.
"أشهد أن لا إله إلا الله... وأشهد أن محمدًا رسول الله... يا ربي تقبلنا شهداء... نحن هنا من أجل غزة... من أجل كل إنسان يحتاجنا... لا نخاف من الموت، ولكننا نرجو أن نكون سببًا في إنقاذ آخرين."
كانت تلك الكلمات، التي خرجت من قلب رجل ملتزم برسالته الإنسانية رغم الخطر، توثّق اللحظات الأخيرة التي عاشها الشهيد رفعت رضوان. في الوقت الذي كان ينتظر فيه مصيرًا محتومًا، أراد أن تظل كلماته مسجّلة في ذاكرة التاريخ، لتكشف عن الوحشية البالغة للاحتلال، وعن الجريمة التي ارتكبت بحق المسعفين الذين جاءوا لإنقاذ أرواح الأبرياء في رفح.
كان هاتفه مفتوحًا طوال اللحظات العصيبة، ليلتقط الصوت والصورة، ويثبت جرائم الاحتلال أمام العالم. وكأنها شهادة حية تبقى شاهدة على همجية الاحتلال، في وقت كان فيه رفعت رضوان وزملاؤه يصرون على مهمتهم النبيلة، دون أدنى تراجع.
رحل رفعت رضوان مع رفاقه في جريمة بشعة تضاف إلى رصيد الجرائم الطويل، و بعد 8 أيام من فقدان الاتصال بهم، تم العثور على جثامين 9 مسعفين من الهلال الأحمر و5 من طواقم الدفاع المدني بالإضافة إلى جثمان موظف من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، الذين كانوا في مهمة إنقاذ في حي تل السلطان غرب مدينة رفح، جنوبي قطاع غزة. وقد تم دفنهم في مقبرة خان يونس يوم الاثنين.
عملية البحث عن الجثامين جرت في منطقة تم إغلاقها عسكريًا من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وذلك بتنسيق مع مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا). وقد تم نَشْبُ الأرض في حي تل السلطان على يقين من أن جيش الاحتلال يخفي وراء ذلك مذبحة مروعة.
وكان الجيش الإسرائيلي قد اعترف بفتح النيران على سيارات الإسعاف، مدعيًا أن السيارات كانت "مشبوهة"، في محاولةة لتبرير جريمة استهداف فرق الإسعاف وطواقم الدفاع المدني، الذين كانوا يؤدون مهامهم الإنسانية في نقل المصابين والضحايا، مما يجعل هذه الجريمة جريمة مركبة ضد الإنسانية.
تؤكد هذه الجريمة الوحشية التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي على استهداف المدنيين والعاملين في المجال الإنساني، في محاولة لإعاقة جهود الإغاثة والمساعدة التي تقدمها المنظمات الإنسانية، الإنسانية التي لا يعرف الاحتلال معناها