الطفلة توليب.. تتجرّع اليُتم على مراحل!

غزة _ خاص الرسالة نت 

وُلدت الطفلة توليب جندية من حي الصبرة بمدينة غزة في خضم حرب إبادة جماعية شنّتها قوات الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة. وبين القصف والمجاعة وندرة الحليب والأدوية، كان والدَاها يحاولان، بكل ما أوتيا من حبٍّ وإصرار، أن يؤمّنا لها الحد الأدنى من احتياجاتها. لم يكن سهلًا أن تُربّى طفلة في الجوع والخوف، لكنهما أرادا لها أن تعرف طعم الطمأنينة، ولو بين لحظات الهروب من قذيفة إلى أخرى.

لكن حين بلغت توليب ستة أشهر فقط، قررت آلة الحرب الإسرائيلية أن تسرق منها نصف الحنان. استُهدف والدها، محمد جندية، وارتقى شهيدًا، وبقيت الطفلة الصغيرة دون أب. لم تعرف توليب ما معنى "فقد"، لكنها شعرت بأن شيئًا ما قد انكسر منذ ذلك اليوم. أما والدتها أمل، فحملت حزنها بصمت، وقررت أن تكون الأم والأب، القلب والسند، الصوت والظل، لتوليب.

كانت أمل تنشر صور ابنتها بين الحين والآخر، وتكتب لها كلمات موجعة بقدر ما هي دافئة. في أحد المنشورات، كتبت لها:
"لا أستطيع أن أجد الكلمات التي تواسي قلبك الصغير، لكن سأخبرك شيئًا مهمًا: أبوك كان شجاعًا، كان يحبك أكثر من أي شيء في هذه الحياة. كان دائمًا يحلم أن يرى ابتسامتك تكبر، ويشاهدك تحققين كل ما تريدين. صغيرتي، أنا هنا بجانبك، أعدك أني سأكون دائمًا الأمان لك."

لم تكن أمل تعلم أن وعدها سيُكسر بعد أشهر قليلة، لا بيدها، بل بيد الحرب. فمع استمرار العدوان، دُمّر منزل العائلة، واضطرت أمل وتوليب وجدتهما إلى اللجوء إلى منزل آخر. ظننّ أنه سيكون أكثر أمانًا، لكن في تمام الساعة الواحدة فجرًا، بدأت الصواريخ تتساقط على المنزل الذي آوينَ إليه في حيّ الصبرة.

استجابت طواقم الدفاع المدني سريعًا، وفي مشهد لا يُنسى، أخرجوا الطفلة توليب حيّة من تحت الركام. وجهٌ صغير مغطّى بالغبار والدموع، تبحث عيناها عن أمها التي كانت تحتضنها وقت الانفجار. لكن أمل، تلك التي وعدت أن تكون الأمان، ارتقت شهيدة، تُمسك بتوليب حتى آخر نَفَس.

فقدت توليب والدها في طفولتها المبكرة، ثم والدتها في حضنها الأخير. لم تتعلم بعد أن تنطق كلمة "ماما" كاملة، حتى وجدت نفسها يتيمة. لم تعرف معنى الفقد، لكنها تعيشه بكل تفاصيله. بقيت الوحيدة من عائلتها، بلا مأوى، بلا يدٍ تمسح دموعها، ولا حضنٍ يردّ عنها برد الوحدة.

توليب اليوم ليست مجرد طفلة ناجية؛ إنها شاهد حيّ على جريمة لا تزال تُرتكب كل لحظة بحق أطفال غزة. هي زهرة صغيرة خرجت من تحت الركام، تنبض بالبكاء، وتحمل وحدها قصة وطن بأكمله.

ستكبر توليب يومًا، ولن تتذكر ملامح والديها، ولا صوتيهما، ولا حتى حضنهما. لكنها ستكون الشاهدة التي لا تنسى، الناجية التي حملت في قلبها وطنًا من الحزن، ووجهين أحباها حتى الرمق الأخير.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من قصص صحفية