وكأن كل شيء اتحد في وجه غزة مع القتل؛ فقد ظهر إلى جانب آلة الموت عجز آخر، عجزٌ أشد قسوة وألماً.
في ليلةٍ غارقة في السواد، اجتمعت المأساة في حي الشجاعية، حيث اختلطت أصوات القذائف المدمرة بصرخات الاستغاثة التي لم تجد من يجيبها. على الطرقات المدمرة وبين الأنقاض، تمددت أجساد الشهداء الذين لم تُتح لهم حتى فرصة النجاة، بينما نزف الجرحى لساعات طويلة، بعضهم حتى الموت، في ظل عجزٍ قاهر طوّق كل محاولات الإنقاذ.
عجز فرق الدفاع المدني والصحة
على الأرض، بدت طواقم الدفاع المدني والصحة وكأنها تحارب طواحين الهواء. القليل من سيارات الإسعاف التي نجت من القصف لم تكن كافية لنقل العدد الهائل من المصابين، فيما تقطعت السبل بالمسعفين أمام نقص حاد في المعدات اللازمة لإزالة الركام وإنقاذ العالقين. وحدات الدم في المستشفيات كانت شبه منعدمة، والمخزون الطبي المتوفر لا يكفي حتى للحالات الطارئة العادية، ناهيك عن كارثة بهذا الحجم.
انهيار كامل للمنظومات
في مشهد آخر، انهارت المنظومات الصحية والخدمية التي بالكاد كانت تقاوم الحصار المستمر. الكهرباء مقطوعة عن المستشفيات، والمولدات تعمل على ما تبقى من الوقود الذي كان على وشك النفاد. مستشفى المعمداني، الذي تحوّل إلى ملجأ للجرحى، بدا وكأنه ميدان معركة أخرى. في ممراته الضيقة، افترش الجرحى الأرض، بعضهم يحتضر على نقالات بسيطة، وآخرون ينزفون بصمت تحت أعين ذويهم، الذين لم يجدوا إلا الدموع والدعاء سبيلاً.
مستشفى المعمداني
داخل المستشفى، كان المشهد أقرب إلى فيلم مأساوي. الأطباء والممرضون يتحركون كأنهم في سباق مع الزمن، لكن كل جهد كان يصطدم بحائط من العجز. غرف العمليات مكتظة، وأصوات الأطباء تتعالى بطلب أدوات غير متوفرة، فيما ينتظر عشرات المصابين دورهم في طابور طويل من الألم. الأمهات تبحث بين الجثث عن أبنائهن، والآباء يرفعون أيديهم بالدعاء وسط هذا الخراب.
كانت مجزرة الشجاعية شهادة أخرى على بشاعة آلة القتل، لكنها أيضاً مرآة عاكسة لعجز مجتمعٍ دولي يتفرج على هذا الخراب دون أن يحرك ساكناً.