في صباحٍ لم يشبه أي صباح، عند معبر كرم أبو سالم، وقفت الأرض تبكي، حين أخرج الاحتلال (الإسرائيلي) يوم الخميس الماضي عشرة أجساد، لا تشبه البشر الذين اختُطفوا قبل خمسة أشهر.
أجسادٌ نحيلة كأنها أشباح، ووجوه خلت من ملامح الزمن، وعيون تائهة بين ما كان وما لم يكن. عشرة رجال تحرروا من سجن (سديه تيمان)، لكنّهم ما زالوا عالقين في الجحيم.
"جهنم 2 غاد"... بهذه العبارة الموجعة وصف أحد الأسرى المحررين ما عاشه في ذلك المعتقل، الذي صار اسمه مرادفًا للتعذيب، وأقرب إلى محرقة صامتة.
لم يكن بين هؤلاء الأسرى شبّانٌ أصحاء، بل شيوخٌ كُسرت أعمارهم، وامتلأت سطور وجوههم بندوبٍ لا تمحوها السنوات.
نعيم البرعي، أحد المحررين، رفع يده المرتجفة ليشير إلى الرجل الواقف بجانبه: "هذا عماد المصري.. من خانيونس، تعذّب عذابًا لا يتصوره العقل"، قالها بنبرة اختلط فيها الفخر بالأسى، كأنّه يقدّم شاهدًا على زمن الذلّ!
لكن عماد لم يستطع أن يقدّم نفسه، لم ينبس ببنت شفة، لم يتحرك، لم يفهم أين هو، ولا حتى من يكون.
كان مجرد جسد حي، بذاكرة محطمة وعينين زائغتين، تبحثان عبثًا عن نافذة للخروج من الظلمة التي سكنت عقله.
خمسة أشهر مرّت عليهم خلف الأسلاك، لم يعرفوا فيها الزمن، ولا تعاقب الأيام. لا شمس ولا قمر. لم يعرفوا أنهم مرّوا بشهر رمضان، ولا أن العيد قد حلّ. كانوا معلقين في الفراغ، بين تعذيبٍ لا ينتهي، وأسئلة لا يجرؤ العقل على طرحها.
يقول عرفات أبو مشايخ، رئيس قسم الصحة النفسية، والذي استقبل الأسرى المحررين في المستشفى الأوروبي جنوب قطاع غزة:"لم نعرف كيف نتعامل معهم. نحن لا نملك أدوات العلاج لهذا النوع من الألم."
كانت أجسادهم تحمل الجروح الغائرة في الأقدام، والكسور في الأيدي، لكنّ الأفظع كان في العيون؛ كأن أرواحهم قد خرجت، وبقيت أجسادهم تسير.
أحد المحررين لا يزال يصرخ ليلًا، يتوسل الماء، ويتخيل أصفادًا حول معصميه. وآخر لا يستطيع النوم إلا على الأرض، لأنه لم يعرف طعم النوم الفراش منذ اختُطف. أحدهم ظل يسأل عن أمه التي توفيت قبل عشرين عامًا، وآخر لا يتعرّف على أبنائه الذين بكوا أمامه لأنه لم يعرفهم.
حين وصلوا إلى كرم أبو سالم، سقط بعض الأبناء على الأرض من هول الصدمة، حين لم يتمكنوا من تمييز آبائهم.
مرح أيوب، ابنة أحد الأسرى المحررين، قالت: "هذا ليس أبي... هذا ظلّ أبي!" وبكت بحرقة، واحتضنت والدها وهي تعتذر له لأنها لم تعرفه.
هؤلاء الرجال العشرة هم عينة من مئات ما زالوا في دهاليز (سديه تيمان)، حيث لا قانون، ولا ضمير، ولا شهود على الجريمة.
جميعهم تعرضوا لأشكال متعددة من التعذيب: الحرمان من النوم، الشبح المتواصل، الصعق بالكهرباء، التهديد بالاغتصاب، والاعتداء الجسدي المستمر.
بعضهم أُجبر على شرب الماء الملوّث، وآخرون حُرموا من الأكل حتى كادوا أن يموتوا جوعًا.
عشرة أسرى محررون خرجوا من سجن (سديه تيمان)، بعد خمسة أشهر من الاعتقال دون معرفة بالزمن أو الأيام، دون زيارات، دون تواصل مع العالم الخارجي.
١٠٠٪ منهم يعانون من أعراض نفسية حادة، و٧٠٪ لا يستطيعون تذكّر أسمائهم عند التحرير، وثلاثة منهم يعانون من انهيار عصبي كامل، وجميعهم بحاجة لرعاية صحية عاجلة غير متوفرة في غزة المحاصرة، بعد تدمير المستشفى النفسي الوحيد فيها.
الصورة ليست فقط لمن خرجوا، بل لكل من ما زال هناك.
كل صرخة من هؤلاء العشرة، هي ترجمة لصمت مئات يئنّون بعيدًا، في زنازين معتمة لا تصلها عدسات الإعلام، ولا ضمير العالم.
لكنهم خرجوا، وسيحكون – ولو بأجسادهم المرتجفة – عن (جهنم 2)، عن آلة الاحتلال التي تفنّنت في القهر، عن أنينٍ سُرق من أفواههم، عن ذاكرةٍ عُلّقت فوق مشنقة الغياب، وسيبقون رغم كل شيء شهودا على الحقيقة، على أن الصمود في وجه الجلاد لا يولد إلا الشرفاء.