لم يَطِب لقلبي مرام وريحانة، الطفلتين اللتين بالكاد تجاوزتا الخامسة والسابعة، أن تتركا الغبار يخنق ملامح القبر الصغير، حيث ترقد شقيقتهما نسيبة وليد قريقع، ذات الأعوام الثمانية، شهيدة حزيران المنصرم.
في مجزرة جديدة، استهدفت طائرات الاحتلال مستشفى المعمداني، وسط مدينة غزة، ما أدى إلى تدمير عدة مبان، واشتعال النيران في أجزائها، بما فيها المختبر والصيدلية.
لم يكن القصف مجرد عدوان على منشأة طبية، بل صفعة لآخر ما تبقى من ملاذ للجرحى والنازحين، الذين افترشوا شوارع المستشفى بعد أن بات الداخل رمادًا.
وفي خضم هذا الدمار، تطاير الركام وسقط فوق قبر نسيبة، المدفون في باحة المستشفى منذ يونيو الماضي . لم تنتظر شقيقتاها طويلًا، فهرعتا إلى المكان، لتنظيف القبر من الغبار، وكأنهما تحاولان إعادة الحياة إلى حكاية لم تكتمل.
كانت يدا مرام المرتجفتين تزيلان الرمال كما لو كانت تربت على وجه نسيبة، أما ريحانة، فسكبت الماء وكأنها تسقي وردًا لا ينبت إلا في الذاكرة.
كل مشهد هناك كان يصرخ: إن الحنين لا يحتاج إلى كلمات، وإن الصمت أبلغ من كل عويل.

نسيبة، التي أصيبت بجروح ونزحت مع عائلتها إلى المستشفى هربًا من قذائف الحيّ المنكوب في الشجاعية إبان الحرب ، لم تنجُ في النهاية من قصفٍ آخر سرق منها الطفولة والحياة يونيو الماضي، ودفنت في باحة المعمداني، كما دفن غيرها، حين لم تعد المقابر آمنة أو متاحة و ضاقت المقابر بأجساد الشهداء، وأصبحت حتى قبورهم مستهدفة.
في باحة المستشفى، وسط عدسات الكاميرات وذهول المارة، وقفت مرام وريحانة كأنهما حارستان لذاكرة صغيرة... لبطلة رحلت باكرًا، لكنها بقيت تكبر في قلبيهما، مع كل صباح جديد ومزيد من الحنين.
لم يكن في المكان سوى قبر وغبار، وطفلتان تحاولان جمع ما تبقى من نسيبة... في الذاكرة.
هذا المشهد، الذي أبكى العيون وجمّد الكلام، لا يحتاج تعليقًا. إنه عار موشوم على جبين العالم.

في غزة، لا تُدفن الأجساد فقط، بل تُدفن الطفولة، وتُقلع الجذور، وتُحوَّل المستشفيات إلى مدافن، والأحضان إلى أمنيات مؤجلة.
نسيبة ليست رقمًا في قائمة الشهداء. هي ابنة وجع متوارث، سطر من كتاب يكتبه الأطفال بالدمع والرماد.
وما فعلته مرام وريحانة على القبر لم يكن طقسًا عابرًا من طقوس الحزن... بل فعل مقاومة. مقاومة النسيان.
حين تُصبح الطفولة شاهدةً على الطفولة، وتغدو قبور المستشفيات محطات زيارة بدلاً من الحدائق... ندرك أن ما يحدث هنا لا يُختزل في حرب أو سياسة. إنه جرح مفتوح على امتداد الإنسانية.
فمن يواسي مرام وريحانة؟
ومن يجيب حين تسأل طفلة: "لماذا ندفن أختي في مستشفى وليس في مقبرة؟"
ومن يخبر نسيبة، إن سمعها الموت، أن قبرها ما زال يُسقى بماء الحب... لا بماء الغفران؟