في غزة، حيث تنطفئ الأشياء بالتدريج، تبدأ الحكايات دومًا من العتمة. هناك، بين بيوتٍ أنهكها الحصار، وأسقفٍ بالكاد تصمد في وجه القصف، عاد صوتٌ من الماضي يهمس في الزوايا: “بابور الكاز.. هل ما زلت هنا؟”.
لم يكن غريبًا أن تلجأ العائلات في غزة للطهي على الحطب بعد انقطاع غاز الطهي. فالحرب الطويلة علمت الغزيين أن يُشعلوا النار حتى من الرماد. لكن ما لم يكن بالحسبان، أن ينفد الحطب أيضًا. فالأشجار المحيطة قد قُطعت، والأراضي الزراعية على الحدود قد جُرفت،
وفي هذا الفراغ، بزغ “بابور الكاز” كأنه طيفٌ قديم خرج من ذاكرة الأجداد. لم يعد قطعة ديكور مركونة في زوايا البيوت، بل صار كنزًا يبحث عنه الناس في العلية، في المخزن، تحت السلالم. إنه ليس مجرد أداة طبخ، بل جزء من تاريخٍ يعود للزمن الذي كانت فيه الحياة أبسط، رغم قسوتها.
في أحد أزقة مخيم النصيرات، يجلس سامي النقلة رجل في أواخر السبعين، أمام دكانه الضيق. تملأ الأرض قطع بابور مخلّعة، محروقة، وأخرى بانتظار أن تُبعث من جديد. يقول سامي بصوتٍ متعب:
“أربعين سنة ما فتحت هالدكان، واليوم، رجعت أشتغل بيدي عشان الناس تطبخ لأولادها”.
ويضيف بابتسامة حزينة: “البابور رجع.. والناس رجعت له.. بعد ما الدنيا كلها سكرت في وجهنا”.
بدأ الناس يتوافدون عليه، يحملون بابورات ورثوها من آبائهم. بعضها يعود لزمن الانتفاضة الأولى، وبعضها أقدم من ذلك بكثير. كانت هناك امرأة مسنّة تبكي وهي تضع البابور على طاولته: “هذا كان لزوجي.. مات من سنين، بس عمره ما كان يتخيل إننا نرجع نطبخ عليه”.
لكن إصلاح البابور لم يكن نهاية المعاناة. فالسولار، الذي يُعد قلب هذه الآلة العتيقة، صار حلمًا بعيدًا. في غزة، حيث لا يدخل الوقود بشكل منتظم، بات الناس يصنّعونه بطرق بدائية، عبر حرق البلاستيك والنفايات، واستخراج ما يُشبه السولار في اللون والرائحة. يقول أحمد حسنين ، شاب في منتصف العشرينات:
“اضطريت أشتري لتر سولار بـ10 دولار، عشان أطبخ وجبة لأهلي.. يعني أكتر من نص يومية عامل”.
فاطمة العثماني معلمة تكتولوجيا للمرحلة الثانوية، وقفت تنظر إلى لهب البابور في مطبخها الصغير، وقالت بانكسار: “في زمن وصلت فيه الإنسانية للطبخ بتطبيق على الهاتف، نحن نرجع لأدوات الأجداد. نحن لا نسير مع العالم، نحن نعود إلى الخلف.. قسرًا، لأن الاحتلال لا يمنحنا أي خيار آخر”.
وتضيف وهي تحرّك الطعام على لهبٍ خافت: “أنا أدرّس طلاب الثانوية العامة عن التكنولوجيا، وفي الليل أطبخ على البابور. هذه ليست حياة.. هذا صراع يومي من أجل البقاء”.
رغم كل شيء، لم ينطفئ البابور. بل صار رمزًا لصمودٍ غزيٍّ فريد، لا يشبه شيئًا إلا نفسه. باتت رائحته تعبق في أزقة المخيمات، وصوته يعلو فوق أنين الكهرباء المقطوعة. حتى الأطفال، الذين لم يعرفوه من قبل، باتوا ينظرون إليه بدهشة ويسألون "متى سنعود للغاز الذي نعرفه"