منذ السابع من أكتوبر، دخلت دولة الاحتلال مسارًا غير مسبوق من الانكشاف والتآكل الداخلي، مسار لم يعد يهدد حكومة نتنياهو أو نتائج الحرب على غزة فحسب، بل بات يطعن في صميم "(الدولة الإسرائيلية)" كمشروع استيطاني استعماري طالما سعى لإثبات نفسه كقوة مستقرة وسط محيط معادٍ.
اليوم، تبدو (إسرائيل) أمام حالة انهيار داخلي متسارعة؛ فالأزمة لم تعد مجرد عثرة سياسية أو نتيجة لحرب طويلة الأمد، بل تحوّلت إلى مشهد متكامل لانهيار يضرب بنية الدولة من جذورها.
فالدولة التي لطالما سوّقت نفسها كـ"واحة ديمقراطية" في الشرق الأوسط، تتهاوى الآن تحت وطأة انقسامات سياسية حادة، تصدعات أمنية غير مسبوقة، تآكل اقتصادي، وعزلة دولية آخذة في التعمق.
حكومة مأزومة
في قلب هذا الانهيار يقف بنيامين نتنياهو، الذي تحوّل من "ضامن للاستقرار" إلى أحد أبرز مهددي مستقبل الدولة. حكومته، التي تضم شخصيات يمينية شعبوية ومتطرفة كإيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، باتت مرادفًا للفوضى السياسية.
سعي نتنياهو الحثيث للهيمنة على القضاء وتحديه لصلاحيات المستشارة القضائية فجّر احتجاجات متواصلة، وكشف عن نواياه السلطوية الصريحة.
حتى المؤسسة الأمنية والعسكرية، التي طالما شكّلت العمود الفقري للكيان، أصيبت بالشلل والانقسام. الخلافات بين القيادة السياسية من جهة، ورؤساء الشاباك والجيش من جهة أخرى، خرجت إلى العلن.
انخفضت الروح المعنوية في الجيش، وتراجعت نسبة التطوع في الاحتياط إلى النصف، فيما ضربت مؤسسات حساسة كالموساد وسلاح الجو ووحدات النخبة موجة استقالات وانشقاقات متتالية.
وقال داني ياتوم، الرئيس السابق للموساد، للقناة 12 (الإسرائيلية): "ما يجري ليس مجرد حرب، بل معركة على بقاء (إسرائيل) كدولة. إن استمرار النزيف الداخلي قد يودي بكل شيء".
وفي شهادة صادمة أكثر، أكد اللواء احتياط إسحاق بريك أن "(إسرائيل) خسرت الحرب في غزة"، وأن "الرواية الرسمية مليئة بالأكاذيب". وكشف أن الجيش دمّر أقل من 10% من أنفاق المقاومة، وأن عدد مقاتلي حماس عاد إلى 30 ألفًا — تمامًا كما كان قبل الحرب.
اتهم بريك رئيس الأركان إيال زامير بالخضوع لنتنياهو ويوآف كاتس، مؤكدًا أن القيادة السياسية والعسكرية، بدعم من إعلام "مجند"، تضلل الرأي العام بشأن تحرير الأسرى بالقوة، وتبيع الأوهام للجمهور (الإسرائيلي).
اقتصاد متآكل
على الصعيد الاقتصادي، تتفاقم الأزمات: تكاليف الحرب، عجز الموازنة، وقرارات تقشفية أثقلت كاهل المواطن. الضرائب الجديدة زادت من الغضب الشعبي، ووسّعت الفجوة الطبقية، لتتحول إلى وقود يومي للاحتجاجات التي لم تهدأ.
تسونامي سياسي يضرب الداخل
قال يائير غولان، رئيس حزب "الديمقراطيين"، إن ما يحدث هو "انقلاب سلطوي حقيقي"، واصفًا نتنياهو بـ"الفوضوي" الذي دمّر الديمقراطية من الداخل.
مجتمع ممزق… وجيش بلا يقين
على المستوى الداخلي، يعيش المجتمع (الإسرائيلي) انقسامًا عميقًا بين يمين ديني متطرف، وليبراليين علمانيين، ويهود شرقيين وغربيين، ويهود وفلسطينيين. الانقسام يتسع، ليس فقط على خلفية الحرب، بل حول هوية الدولة نفسها: هل تبقى "ديمقراطية" أم تنزلق نحو حكم شعبوي استبدادي؟
العرائض التي وقّعها جنود وضباط وأكاديميون والتي تطالب بوقف الحرب، لم تكن مجرد احتجاج، بل صرخة ضد مستقبل داهم تُفقد فيه (إسرائيل) ثوابتها الأخلاقية والعسكرية على السواء.
دولة على حافة الانهيار
ما نشهده ليس أزمة سياسية عابرة، بل لحظة تحول مفصلية. كل المؤشرات — من المؤسسة السياسية المتفككة، إلى الجيش المتآكل، والاقتصاد المترنح، والمجتمع المنقسم، والعلاقات الدولية المتراجعة — تدل على أن (إسرائيل) تسير نحو هاوية يصعب الخروج منها.
والأخطر أن جيش الاحتلال، رغم مرور أكثر من عام ونصف على الحرب، فشل في تحقيق أهدافه أمام مقاومة ما تزال فاعلة. لم تُهزم غزة، ولم تُحرر الأسرى، وكمائن الموت الأخيرة تؤكد أن الجيش عالق في مستنقع استنزاف لا أفق له.
منذ السابع من أكتوبر بدأ الانكشاف... واليوم، لم يعد السؤال إن كانت (إسرائيل) تنهار، بل متى وكيف سيكون السقوط.