التنازل باسم الواقعية وتبرير السقوط الكبير

التنازل باسم الواقعية وتبرير السقوط الكبير
التنازل باسم الواقعية وتبرير السقوط الكبير

شادي أبو صبحة

المنطقة مقبلة على مزيد من التفريط والتنازل عن فلسطين في ظل المسار المتسارع نحو التطبيع وإعادة رسم التحالفات الإقليمية، تحت ذرائع "الواقعية السياسية" و"الضرورات الاستراتيجية". 

وفي هذا السياق، تبرز محاولات مدروسة لإعادة تقديم بعض رموز النضال العربي، وفي مقدمتهم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، من زاوية تنازله عن بعض المبادئ أو قبوله بتسويات سياسية أو التفريط بالدفاع عن فلسطين خلال مراحل معينة من مسيرته.

إبراز هذه التسجيلات والمواقف اليوم لا يأتي لتمجيد عبد الناصر أو تثمين نضاله، بل بهدف إسقاط الهالة عنه وتحويله إلى نموذج يُستخدم لتبرير التراجع العربي، عبر إيصال رسالة مفادها: "إذا كان عبد الناصر، الذي حمل لواء الكرامة، قد تنازل في ظروف معينة، فلماذا لا يكون التنازل خيارنا اليوم؟".

إن ما نشهده اليوم من ترك غزة وحدها تواجه حرب إبادة شرسة، وسط صمت وتواطؤ مفضوح، ليس مجرد تقاعس عابر، بل هو جزء من مخطط أوسع لتصفية القضية الفلسطينية. 

الهدف هو تهجير الفلسطينيين من غزة والضفة الغربية، وإفراغ الأرض من أهلها لصالح مشاريع الاستيطان والضم، ضمن ترتيبات إقليمية جديدة.

ولا يقتصر الأمر على تجاهل الحكام العرب لهذه الجرائم، بل تعداه إلى الانخراط النشط في مشاريع التطبيع، بل وفي بعض الحالات استقبال اليهود في أراضيهم وفتح آفاق الشراكة معهم، في سياق محاولة مفضوحة للتخلص من فلسطين كقضية الأمة المركزية، وتحويلها إلى "قضية محلية" تخص الفلسطينيين وحدهم.

ويزداد المشهد فظاعة عندما نرى أن بعض الدول العربية لم تكتفِ بالصمت، بل ذهبت إلى حد تقديم السلاح والمال والخطوط اللوجستية لدعم الاحتلال، بما في ذلك مد خطوط الغذاء عبر مصر والأردن نحو كيان الاحتلال، ورفع الحصار البحري الذي فرضه اليمن لمحاولة خنقه، في وقت يموت فيه أهل غزة جوعاً، وتغلق في وجوههم المعابر التي تديرها دول عربية كمصر، مانعة عنهم الغذاء والدواء والنجاة.

إن هذه المرحلة تتطلب أعلى درجات الوعي لدى الشعوب العربية واتخاذ مواقف فاعلة، لأن المعركة لم تعد فقط على الأرض الفلسطينية، بل أيضاً على الذاكرة والهوية والوجدان.

التمسك بفلسطين اليوم هو تمسك بالكرامة والوجود للعرب والمسلمين، ورفض التنازل هو رفض للانتحار السياسي والمعنوي للأمة.

وستبقى فلسطين، رغم كل محاولات الشطب والخيانة، قضية الأمة الحية التي لا تموت.