في ظل استمرار الحرب على غزة، وحالة الفشل (الإسرائيلي) في تحقيق أهدافها المزعومة، وإفشال رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو الوصول إلى صفقة لتبادل الأسرى، واستمرار المقاومة – وعلى رأسها كتائب القسام – في عملياتها النوعية؛ يتصاعد الاستياء والتفكك داخل المجتمع الصهيوني، لا سيما عائلات الجنود الأسرى في غزة.
حيث تتهم عائلات الأسرى (الإسرائيليين) حكومة نتنياهو بالتقاعس والمماطلة وإفشال جهود إنجاز صفقة التبادل، وذلك من أجل حساباته السياسية التي يفضّلها على الإفراج عن الأسرى لدى المقاومة في غزة.
هذا الغضب لا يقتصر على العائلات فحسب، بل بدأ يتسع ليشمل قطاعات من الجمهور (الإسرائيلي)، حتى وصل إلى داخل المؤسسة العسكرية التي ترى أن استمرار الحرب على غزة "فخّ" يقع فيه الجيش، ويتعرّض فيه لكمائن المقاومة ويُقتل هناك، بسبب إدارة نتنياهو للحرب، ما يكشف الانقسام والتشتت داخل كيان الاحتلال، والشرخ والخلافات الداخلية بين نتنياهو وقيادات المؤسسة العسكرية والمجتمع الصهيوني.
***رقعة الغضب تتسع!
في ظل انسداد أفق المفاوضات بشأن صفقة تبادل الأسرى مع المقاومة في غزة، لا تزال عائلات الأسرى لدى المقاومة تخرج بمسيرات عارمة وغاضبة في "تل أبيب" والقدس، يصل عدد المشاركين فيها إلى أكثر من نصف مليون شخص، ويتخللها مواجهات مع شرطة الاحتلال التي تعتدي على عائلات الأسرى.
المختص في الشأن (الإسرائيلي) عادل شديد يرى أن المظاهرات ستتصاعد داخل "إسرائيل"، والتي تقودها عائلات الجنود الأسرى، حيث تعكس حالة من الغليان الشعبي المتنامي تجاه استمرار الحرب على غزة، وعجز الحكومة عن استعادة أسراها.
وأشار شديد، في حديث لـ"الرسالة"، إلى أن المظاهرات لدى الاحتلال تحوّلت بشكل نوعي في المزاج الداخلي (الإسرائيلي)، حيث لم تعد الاحتجاجات محصورة بعائلات الأسرى أو المعارضة السياسية، بل بدأت تتخذ طابعًا أوسع يعكس أزمة ثقة عميقة في القيادة الحاكمة.
ويرى أن هذا التصاعد في الخطاب الجماهيري، الذي يجمع بين المطالبة بوقف الحرب، واستعادة الأسرى، ومحاسبة نتنياهو، قد يشكّل بيئة قابلة لانفجار سياسي داخلي، خاصة مع تزايد الانتقادات من داخل المؤسسة العسكرية نفسها.
وأكد شديد أن استمرار تجاهل هذه المطالب قد يؤدي إلى تفكك الائتلاف الحاكم، وتصاعد الانقسامات الداخلية بين مؤسسات الدولة، وهو ما قد يُضعف قدرة "إسرائيل" على مواصلة العمليات العسكرية في غزة أو مواجهة الضغوط الدولية المتزايدة.
***مطالبات بالتحقيق مع نتنياهو!
في بيانٍ غاضب، طالبت عائلات الأسرى بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في أداء الحكومة، متهمة نتنياهو بالكذب عليهم حين يروّج أن الضغط العسكري سيُعيد أبناءهم. ووصفت الحرب بأنها "بلا أفق"، مؤكدة أن استمرارها يهدد حياة الأسرى بشكل مباشر.
وقالت العائلات صراحة: "نتنياهو المجرم لا يهتم بعودة أبنائنا، ويضحّي بهم، ويتلهّى بإسقاط رئيس الشاباك بدلًا من السعي لعقد صفقة شاملة".
كما كشفت أن 70% من (الإسرائيليين) يطالبون بوقف الحرب واستعادة الأسرى، لكن نتنياهو يسعى فقط إلى صفقة جزئية تحفظ ماء وجهه السياسي.
***تزايد الضغوط والانقسامات الداخلية!
فيما يرى المحلل السياسي سليمان بشارات أن الأزمة السياسية داخل "إسرائيل" دخلت مرحلة غير مسبوقة من التصعيد، مع تزايد الضغوط الجماهيرية والانقسامات الحادّة داخل الائتلاف الحاكم.
وأوضح بشارات، في حديث لـ"الرسالة"، أن استمرار الحرب على غزة، وتعثّر المفاوضات بشأن الأسرى، وانخفاض الثقة في القيادة السياسية، كلها عوامل تغذّي حالة من الاضطراب الداخلي، قد تنعكس قريبًا على شكل تغييرات جوهرية في المشهد السياسي.
وأشار إلى أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بات في مواجهة ضغوط متزايدة من الشارع، ومن شركائه في اليمين المتطرف، إضافة إلى انتقادات قادمة من داخل المؤسسة الأمنية، ما يجعله محاصرًا من عدّة اتجاهات، ويُقلّص هامش المناورة أمامه بشكل كبير.
ولفت بشارات إلى أن التوازنات داخل حكومة نتنياهو بدأت تتآكل بفعل الصراعات الداخلية وتآكل الثقة الشعبية. ويُتوقّع أن يؤدي استمرار هذا الوضع إلى أحد سيناريوهين: إما تفكك تدريجي في الائتلاف يقود إلى انتخابات مبكرة، أو انفجار سياسي مفاجئ إذا تصاعدت وتيرة الاحتجاجات وازدادت الضغوط الخارجية.
ووفق بشارات، فإنّه في كلتا الحالتين، "نتنياهو لم يعد ممسكًا بخيوط اللعبة كما كان في السابق"، وأن الأزمة الحالية قد تكون الأخطر منذ صعوده إلى السلطة، خصوصًا مع تزايد الحديث عن "اليوم التالي" لسقوطه المحتمل.
وفي استطلاعات الرأي الأخيرة، سجّل نتنياهو أدنى معدلات ثقة منذ سنوات، فيما تُوجَّه انتقادات لاذعة من شخصيات أمنية وسياسية بارزة، اعتبرت أن إدارته للأزمة تقود البلاد نحو مأزق طويل الأمد.
وتتزامن هذه الموجة من الاستياء والانقسامات داخل المجتمع (الإسرائيلي) مع تعقّد المشهد الميداني في قطاع غزة، واستمرار العمليات العسكرية التي لم تنجح حتى الآن في استعادة الأسرى أو تحقيق أهداف واضحة، ما يعمّق الشكوك داخل الشارع الصهيوني حيال جدوى استمرار الحرب وصِدقية الرواية الرسمية.
وأمام تصاعد الخلافات داخل المجتمع (الإسرائيلي)، وبسالة المقاومة – وعلى رأسها كتائب القسام – في تنفيذ عملياتها النوعية التي توقع جنود الاحتلال في المقتلة...
هل سقوط نتنياهو هو المخرج الوحيد للاحتلال للخروج من أزماته والرضوخ لشروط المقاومة؟