في مشهد سياسي وأمني غير مسبوق، تلقى رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واحدة من أعنف الصفعات الدبلوماسية منذ توليه الحكم، بعدما أعلنت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" عن توصلها إلى تفاهمات مباشرة مع الإدارة الأمريكية بشأن إطلاق سراح الجندي الأسير مزدوج الجنسية "عيدان ألكسندر"، دون إسرائيل أو حتى علمها المسبق بهذه الاتصالات.
هذا التطور المفاجئ لم يُحدث فقط هزة سياسية في (إسرائيل)، بل كشف عن حالة عجز استراتيجي غير معهودة لدى الحكومة الإسرائيلية، وفتح الباب أمام معادلات جديدة قد تقلب الموازين في المنطقة.
تفاصيل الاتفاق غير المسبوق
في الوقت الذي فشلت فيه الحكومة الإسرائيلية في استعادة أسراها رغم مرور أكثر من سبعة أشهر على الحرب، تمكنت حركة حماس، وفقًا لتصريحات رسمية من قياداتها وعلى رأسهم د. خليل الحية، من فتح قنوات اتصال مباشرة مع واشنطن.
وأثمرت هذه الاتصالات عن تفاهمات تقضي بالإفراج عن الجندي "عيدان ألكسندر"، في خطوة تهدف إلى كسر الجمود في المفاوضات وفتح الطريق نحو وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.
ما يزيد من خطورة هذا التطور أنه جرى بغياب كامل لدور الحكومة الإسرائيلية، وهو ما أكده الصحفي الإسرائيلي البارز باراك رافيد، قائلاً إن "إسرائيل لم تكن على علم بهذه المحادثات أصلًا"، وهو ما دفع القناة 12 العبرية لوصف الحدث بأنه "صفعة سياسية من العيار الثقيل" تلقاها نتنياهو شخصيًا، وأن هذه الخطوة منحت حماس انتصارًا سياسيًا ومعنويًا غير مسبوق.
الإدارة الأمريكية تتصدر المشهد: أين (إسرائيل)؟
المثير في هذا الاتفاق أن الولايات المتحدة، وليس حكومة نتنياهو، هي من ستعلن رسميًا تفاصيل إطلاق سراح الجندي الأسير، الأمر الذي أثار غضب عائلات الأسرى الإسرائيليين. فقد جاء في بيان صادر عن هذه العائلات: "مرة أخرى، الولايات المتحدة هي التي تحمل أخبار إطلاق سراح الرهائن، وليس الحكومة الإسرائيلية. لقد فشلت الحكومة في أداء واجبها الأخلاقي والوطني، ولم تعد تحظى بثقة الشعب."
بل وصل الأمر ببعض أهالي الأسرى إلى توجيه اتهامات مباشرة لنتنياهو، كما فعلت عيناف تسنغاوكر، والدة أحد الأسرى، حين قالت: "ابني متان في نفس النفق مع عيدان، وسيُطلق سراح الأخير وسيبقى ابني لأن نتنياهو قرر قتله. لقد تحول نتنياهو إلى ملاك الموت."
نتائج فورية وضغوط غير مسبوقة
بحسب صحيفة يسرائيل هيوم، فإن (إسرائيل) وافقت فورًا على فتح الممرات الإنسانية لإدخال المساعدات مقابل هذه الخطوة، رغم أن الاتفاق لم يشمل إطلاق سراح أي أسرى فلسطينيين، ما فُسر داخليًا بأنه خضوع سياسي أمام ضغوط أمريكية ومناورة بارعة من حركة حماس.
وأشارت القناة 12 العبرية إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لعب دورًا مباشرًا في هذا التفاهم، وبهذا، "لم يكتفِ ترامب بصفع نتنياهو فحسب، بل منح حماس شرعية سياسية غير مسبوقة، وهزيمة استراتيجية لواحدة من أقوى الحكومات اليمينية في تاريخ إسرائيل."
الأوساط السياسية الإسرائيلية تغلي
ردود الأفعال السياسية في (إسرائيل) لم تتأخر، حيث عبّر محللون ومسؤولون عن خشيتهم من أن يشكل هذا الاتفاق سابقة خطيرة، يمكن أن تدفع بفصائل المقاومة الفلسطينية إلى مزيد من التواصل المباشر مع القوى الدولية، متجاوزة (إسرائيل) تمامًا.
واعتبر الصحفي الإسرائيلي عميت سيغال أن هذا التطور "سيُلحق ضررًا بعيد المدى بمكانة جواز السفر الإسرائيلي"، مضيفًا بسخرية: "هل أصبح الجواز الأمريكي أكثر قيمة من حياة الجندي الإسرائيلي؟"
وفي سياق موازٍ، أكدت مصادر أن المستشار الأمريكي ويتكوف سيصل إلى (إسرائيل) غدًا لمناقشة تفاصيل هذا الاتفاق مع حكومة نتنياهو، في مشهد يظهر بشكل جلي أن (إسرائيل) باتت مجرد متلقٍّ للأوامر في واحدة من أكثر القضايا حساسية لدى الرأي العام الإسرائيلي.
هل انتهى زمن التفوق الإسرائيلي؟
يذهب بعض المحللين إلى القول إن هذا الحدث يشكل بداية مرحلة جديدة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، عنوانها أن (إسرائيل) لم تعد اللاعب الأوحد في تقرير مصير القضايا المركزية للصراع، وأن المقاومة الفلسطينية نجحت لأول مرة في فرض نفسها كطرف إقليمي له ثقله في معادلات السياسة الدولية.
ومع تصاعد الضغوط الشعبية داخل (إسرائيل)، وتنامي الحراك الجماهيري المطالب بإقالة نتنياهو وتحميله مسؤولية الفشل في إدارة ملف الأسرى والحرب على غزة، تبدو حكومة الاحتلال اليوم أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
حماس تحقق إنجازًا دبلوماسيًا
يبقى السؤال المطروح في الأوساط السياسية والأمنية: هل أصبح نتنياهو عاجزًا فعليًا عن حماية ما تبقى من هيبة (إسرائيل)؟ وهل سنشهد قريبًا انهيارًا سياسيًا لحكومته تحت وطأة هذه الهزائم المتلاحقة؟
الأيام القادمة كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن ما حدث اليوم سيُسجل في التاريخ كصفعة غير مسبوقة لنتنياهو، ونقطة تحوّل بارزة في مسار الصراع.