تواجه حكومة مجرم الحرب المطلوب للعدالة الدولية بنيامين نتنياهو واحدة من أعقد لحظاتها السياسية منذ تأسيسها، في ظل ضغوط داخلية وخارجية غير مسبوقة. وبينما كانت الحكومات الإسرائيلية في العقود الماضية تسقط بفعل التفكك الداخلي، تشير التطورات الحالية إلى أن الدور الأميركي – وتحديدًا موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب – قد يكون عاملاً حاسمًا في تعجيل هذا التفكك.
التفكك الداخلي... نمط تاريخي يتكرر
يرى الكاتب الإسرائيلي إفرايم غانور أن تاريخ (إسرائيل) السياسي يكشف عن نمط واضح: نهاية الحكومات تبدأ غالبًا من داخلها، نتيجة صراعات وخصومات تفقدها التماسك السياسي. من سقوط حكومة "مباي" في 1977، إلى أفول "الليكود" بعد مناحم بيغن، وحتى انهيار حكومة كديما بقيادة إيهود أولمرت، يتكرر المشهد ذاته، وتبدو حكومة نتنياهو اليوم تسير في الاتجاه ذاته.
الصراعات التي خرجت إلى العلن، مثل تلك بين يعقوب مردوغو – المقرّب من نتنياهو – وبعض وزراء الليكود، تسلط الضوء على حالة غير مسبوقة من التوتر الداخلي. الاتهامات المتبادلة والشتائم التي أُطلقت في وسائل الإعلام الإسرائيلية لا تعكس فقط سلوكًا "مشبوهًا" كما وصفه غانور، بل تشير إلى ما وصفه بـ"مراحل التفكك الأولى" لحكومة مشلولة، تفقد السيطرة على أجندتها السياسية والأمنية.
ورغم الحديث الدائم عن إمكانية سقوط الحكومة بسبب الابتزاز السياسي من الأحزاب الدينية (الحريديم)، يؤكد غانور أن هؤلاء سيكونون "آخر من يسقط الحكومة"، فهم يدركون جيدًا أن أي حكومة بديلة لن تمنحهم الامتيازات الواسعة التي يحصلون عليها حاليًا. وعليه، فإن التهديد الحقيقي لا يأتي من الحريديم، بل من عامل خارجي... اسمه دونالد ترامب.
ترامب… من "مخلص إسرائيل" إلى مصدر متاعبها
في مفارقة سياسية لافتة، يتحوّل ترامب، الذي اعتُبر ذات يوم الحليف الأوثق لنتنياهو – بل و"ملك المسيح" كما وصفه بعض أنصاره – إلى عامل مفاجئ في تعجيل سقوط الحكومة. فالتوقعات التي علّقها نتنياهو على ترامب كانت طموحة للغاية: تحقيق نصر نهائي على حماس، استعادة الأسرى، تحييد إيران، وإبرام "صفقة القرن" التي تدخل السعودية في تطبيع شامل مع (إسرائيل).
لكن الواقع خالف تلك التوقعات. فترامب، بدلًا من أن يدعم نتنياهو، بات يتحرك من خلف ظهره، ويجري اتصالات ومفاوضات مع دول الخليج تتعارض مع المصالح الإسرائيلية المباشرة. زيارته الحالية إلى السعودية، وقطر، وأبو ظبي، لن تحمل غالبًا وعودًا كبيرة لـ(إسرائيل)، بل ستكرس مزيدًا من تجاهل تل أبيب في ملفات حساسة.
أزمات خانقة تهدد الحكومة
إلى جانب العامل الأميركي، هناك طوفان من الأزمات الداخلية التي تتراكم على طاولة نتنياهو، وكل واحدة منها قد تكون كفيلة بإسقاط أي حكومة:
أزمة الحريديم والتجنيد: في وقت يقدّم فيه جنود الاحتياط تضحيات يومية منذ أكثر من عام ونصف، تصر الحكومة على إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية، ما يثير موجة غضب شعبي وجيشًا مستاء.
الملف الاقتصادي: ارتفاع حاد في تكاليف المعيشة، تدهور القوة الشرائية، واتساع الفجوة بين الطبقات، في ظل عجز حكومي عن تقديم حلول ناجعة.
"قطر غيت": فضيحة مالية تطال مكتب رئيس الحكومة، وسط شبهات حول تورط دوائر قريبة من نتنياهو في تنسيق غير قانوني مع مصادر مالية وسياسية في الخليج.
الملف الإيراني: الصفقة الأميركية مع إيران، والتي تسمح لها بالاحتفاظ بمساحة للمناورة النووية، تعزز شعورًا في (إسرائيل) بأن واشنطن لم تعد تقف بحزم ضد طهران.
حرب غزة المفتوحة: استمرار المعركة دون أفق واضح للنهاية، مع الفشل في استعادة الأسرى وتحقيق "الردع"، يعمّق الشعور العام بالفشل السياسي والعسكري.
هل يعتزل نتنياهو؟
مع اشتداد الضغط، يبدو أن نتنياهو قد يدخل مرحلة "المعركة الأخيرة" ليس فقط على حكومته، بل على مستقبله السياسي والشخصي. فمع تصاعد الدعوات لعزله، وتزايد الحديث عن "صفقة إقرار بالذنب" قد تنقذه من الملاحقة القضائية، يجد نتنياهو نفسه محاصرًا من الداخل والخارج.
يبدو أن ما يجري في (إسرائيل) اليوم هو مشهد النهاية البطيئة لحكومة لم تعد تمثل الإجماع، ولا تمتلك زمام المبادرة. دونالد ترامب، الذي مثّل سابقًا بارقة أمل لنتنياهو، يتحوّل الآن إلى كابوس سياسي يُعجّل بتمزق التحالفات الداخلية.
وإذا ما استمر الحال على ما هو عليه، فإن أقرب السيناريوهات هو إما إسقاط الحكومة، أو انسحاب نتنياهو من المشهد السياسي مقابل صفقة تحفظ له ماء الوجه.