لم تكن شيماء الخولي تتوقع أن يتحول وجودها قرب مستشفى المعمداني في مدينة غزة، في ديسمبر/كانون الأول 2023، إلى بداية واحدة من أقسى تجارب حياتها. ففي 18 ديسمبر/كانون الأول 2023 اعتُقلت الشابة المنحدرة من حي الزيتون مع شقيقتيها، لتبدأ رحلة اعتقال طويلة تنقلت خلالها بين المعسكرات والسجون، قبل أن يُفرج عنها في 3 فبراير/شباط 2024.
تستعيد الخولي تلك اللحظات بذاكرة مثقلة بالتفاصيل، قائلة لـ"الرسالة نت" إن اعتقالها جاء في وقت كانت فيه المنطقة تعيش ظروفًا أمنية شديدة الخطورة، إذ كانت المستشفى ومحيطها تحت الحصار والقنص.
وتضيف:
"اعتقلونا نحن الأخوات معًا من محيط المستشفى… ومنذ تلك اللحظة بدأت رحلة طويلة من التنقل بين المعسكرات والسجون".
الأخوات الثلاث
داخل السجن، بقيت الخولي مع شقيقتيها في القسم نفسه والغرفة نفسها طوال فترة الاعتقال تقريبًا، وهو ما خفف جزءًا من وطأة التجربة، رغم قسوة الظروف.
وتوضح أن إدارة السجن كانت تتعامل معهن بوصفهن "الأخوات الثلاث"، في إشارة إلى اعتقالهن معًا منذ اللحظة الأولى.
لكن الطريق إلى السجن لم يكن أقل قسوة.
تروي الخولي أنهن نُقلن بين عدة مواقع احتجاز، وخلال تلك التنقلات تعرضن – بحسب روايتها – للضرب والإهانات والتحرش والشتائم، إلى جانب أشكال مختلفة من العنف النفسي والجسدي.
كما نُقلن لاحقًا إلى معسكر "عناتوت"، الذي خُصص لاحتجاز معتقلين خلال الحرب على غزة.
وتصف ما عاشته هناك قائلة:
"بقينا نحو أسبوع كامل مكبلات الأيدي والأرجل، وعيوننا مغطاة طوال الوقت".
وتضيف أن الطعام كان شبه معدوم، بينما كانت المياه شديدة البرودة إلى درجة يصعب استخدامها.
مشاهد لا تغادر الذاكرة
رغم مرور الوقت على الإفراج عنها، ما تزال بعض المشاهد حاضرة في ذاكرة الخولي.
أحد تلك المشاهد كان رؤية جثامين شهداء ملقاة على الأرض في محيط المستشفى خلال فترة الحصار.
وتقول: "كان مشهدًا صادمًا… رأينا الشهداء مرميين على الأرض والكلاب تنهش أجسادهم". لكن الصدمة الأكبر جاءت خلال التحقيقات.
ففي إحدى المرات نُقلت الخولي إلى العزل الانفرادي لساعات طويلة، وعندما أُعيدت إلى القسم اكتشفت أن إحدى شقيقاتها لم تعد في الغرفة.
"دخلت في صدمة… شعرت أنني فقدتها"، مشيرة إلى أن تلك اللحظة بقيت عالقة في ذاكرتها حتى بعد خروجها من السجن.
معاناة الأسيرات… قمع وإهمال طبي
تؤكد الخولي أن الحياة داخل السجن كانت مليئة بالتوتر والقمع المستمر.
فكلما أرادت إدارة السجن إخراج إحدى الأسيرات للتحقيق، كانت القوات تقتحم القسم وسط حالة من الاستنفار، غالبًا ما ترافقها أعمال قمع واستخدام للغاز.
وتضيف: "كانوا يقتحمون القسم بعنف… وكان الهدف بث الخوف في نفوسنا".
لكن المعاناة لم تقتصر على القمع، إذ تشير الخولي إلى الإهمال الطبي بوصفه أحد أبرز مظاهر المعاناة داخل السجن.
فبعد فترة قصيرة من دخولها السجن، أصيبت بدمامل مؤلمة، لكنها لم تحصل على علاج في البداية.
وتقول: "طلبت أن أعرض على طبيبة، لكن الرد كان دائمًا: اشربي ماء".
وبعد تدهور حالتها الصحية، سُمح لها أخيرًا بمراجعة طبيبة كتبت لها علاجًا.
وتؤكد أن النظافة داخل السجن كانت شبه معدومة، إلى جانب نقص المياه والطعام، وهو ما أدى إلى انتشار الأمراض بين الأسيرات.
صدمة تمتد إلى العائلة
لم تكن تجربة الاعتقال قاسية على الأسيرات فقط، بل امتدت آثارها إلى عائلاتهن.
تذكر الخولي أن إحدى شقيقاتها اعتُقلت أمام أطفالها، الذين بقوا بعيدين عن والديهم لفترة قبل الإفراج عن الأب.
وتضيف: "الأطفال عاشوا صدمة كبيرة… بقوا أيامًا بعيدين عن أهلهم قبل أن يجتمعوا مع العائلة".
أما بعد الإفراج عنها، فتشير الخولي إلى أن العودة إلى الحياة الطبيعية لم تكن سهلة.
ففي الأيام الأولى بعد خروجهن من السجن، وجدت هي وشقيقتاها أنفسهن في جنوب قطاع غزة دون دعم كافٍ، وبعيدات عن عائلاتهن لنحو عام ونصف، وهو ما شكّل بالنسبة لهن "سجنًا ثانيًا" بسبب صعوبة الأوضاع في تلك الفترة.
وتضيف أن بعض الناس كانوا يخشون التعامل معهن.
وتقول: "كان البعض يخاف حتى من الحديث معنا… مجرد أن يعرف أنك كنت أسيرة".
قانون إعدام الأسرى… تصاعد المخاوف
تأتي شهادة الخولي في وقت يتصاعد فيه الجدل حول مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، الذي طُرح عدة مرات في الكنيست الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة.
ويقضي المشروع بالسماح للمحاكم (الإسرائيلية) بفرض عقوبة الإعدام على أسرى فلسطينيين في حالات معينة، بعد أن كان تطبيق هذه العقوبة نادرًا للغاية في (إسرائيل).
ورغم أن القانون لم يُطبق فعليًا حتى الآن، فإن منظمات حقوقية تحذر من أنه قد يفتح الباب أمام تصعيد خطير في التعامل مع الأسرى الفلسطينيين.
وترى الخولي أن مجرد طرح هذا القانون يثير مخاوف كبيرة لدى الأسرى وعائلاتهم.
وتبين أن هذا القانون مجحف جدًا… العالم يشاهد ما يجري، بينما يعيش الأسرى تحت ضغط نفسي كبير، وربما لم تصلهم هذه الأخبار حتى الآن.
وتؤكد أن ما يحدث داخل السجون أصلاً يجعل الأسرى يشعرون بأن حياتهم مهددة في كل لحظة.
في ختام حديثها، توجه الخولي رسالة إلى المؤسسات الدولية وكل من يتابع قضية الأسرى.
وتقول:"رسالتي أن يهتم الجميع بقضية الأسرى والأسيرات، وأن يبذلوا كل ما يستطيعون لمنع تنفيذ قانون الإعدام".
وتؤكد أن شهادتها ليست سوى جزء صغير من واقع أكبر تعيشه الأسيرات داخل السجون.
وتتابع: "مهما تحدثنا عن الأسرى لن نوفيهم حقهم… ما يحدث داخل السجون أصعب بكثير مما يمكن وصفه".
وبين ذاكرة الاعتقال وتجربة الحرية الصعبة، تبقى قصة شيماء الخولي شهادة إنسانية حيّة على واقع تعيشه أسيرات أخريات ما زلن خلف القضبان، في انتظار أن تُسمع أصواتهن خارج جدران السجن.