تحريض على المكشوف: من يكتب الرواية التي تسبق اغتيال الصحفيين في غزة؟

الرسالة نت - متابعة

 

في سياق متصاعد من استهداف الصحفيين الفلسطينيين، لم تعد الرصاصة أو الصاروخ هي البداية، بل غالباً ما تسبقها حملة منظمة من التشويه والتحريض، تُبنى بعناية عبر منصات إعلامية وحسابات ممولة، لتصوغ "رواية" تبرر الاستهداف لاحقاً. 

قضية اغتيال الصحفي محمد وشاح تمثل نموذجاً واضحاً لهذا المسار المركب، وفق ما أشار إليه الصحفي الاستقصائي محمد عثمان، والذي يضع يده على أحد أخطر أدوات هذه الحرب، وهي التلاعب بالصور. 

ويؤكد أنه خلال الأسابيع الأخيرة تم الترويج لصور صحفيين شهداء بزي عسكري، قبل أن يثبت – من خلال الوصول إلى النسخ الأصلية – أنهم كانوا يرتدون ملابس مدنية.

ويشير عثمان إلى أن هذا التلاعب ليس عشوائياً، بل يأتي ضمن سياق "نزع الصفة المدنية" عن الصحفي، تمهيداً لتقديمه كهدف مشروع.

كما انتقد منشوراً لعلي شريم، معتبراً أنه استخدم أسلوباً يبدو مهنياً في ظاهره، لكنه أعاد نشر صور وادعاءات الاحتلال دون تفنيد، ما يساهم في تمرير الرواية التحريضية بشكل غير مباشر.

"جسور نيوز" وهديل عويس 

في قلب القضية، برز اسم هديل عويس ومنصة "جسور نيوز"، حيث نُسب إليهما نشر محتوى شكك في صفة محمد وشاح كصحفي، وهو ما اعتبره ناشطون "تحريضاً مباشراً" سبق عملية اغتياله.

ومما يؤكد تورط هديل ومنصتها، قيام حسابات إسرائيلية بمشاركة منشوراتها لتبرير عمليات الاغتيال والقتل التي جرت.

وتداولت حسابات متعددة اتهامات وإثباتات بأن المنصة تتبنى خطاباً يستهدف الإعلاميين الذين ينقلون الرواية الفلسطينية، ويعمل على ربطهم بسياقات أمنية، ما يضعهم في دائرة الاستهداف.

منشورات غاضبة

وظهر حجم التفاعل الغاضب على وسائل التواصل الاجتماعي، عقب عملية اغتيال الصحفي وشاح، حيث نُشرت سلسلة من المواقف الحادة التي حمّلت مسؤولية التحريض لجهات محددة.

مدير المكتب الإعلامي الحكومي، الدكتور إسماعيل الثوابتة، قال بوضوح: "كل الذين قاموا بالتحريض على الإعلاميين والصحفيين قدموا خدمة للاحتلال، ويتحملون المسؤولية، ولابد من محاسبتهم."

فيما الصحفي يحيى اليعقوبي وجّه خطاباً مباشراً إلى هديل عويس، متهماً إياها بالتحريض على محمد وشاح، ومعتبراً أن هذا السلوك يضعها في موقع "التواطؤ".
من جهتها، ذهبت الناشطة نسرين الرزاينة أبعد من ذلك، حيث اعتبرت أن هديل عويس "متورطة بدم محمد وشاح"، في إشارة إلى مسؤولية معنوية عن التحريض.

عصمت خضر أشار إلى تفاعل شخصيات إسرائيلية مع محتوى عويس، معتبراً أن ذلك يعزز الشبهات حول طبيعة الخطاب الذي تقدمه، خاصة بعد نشرها ادعاءات تصف وشاح بأنه "عنصر أمني".

الكاتب سامي بدوين نشر سرداً مطولاً هاجم فيه هديل عويس، متّهماً إياها بالعمل ضمن مشاريع تهدف إلى الترويج للتطبيع وتغيير الوعي العربي، معتبراً أن منصة "جسور" تمثل "واجهة إعلامية" لهذا التوجه.
كما كتب محمد تيسير منشوراً حمّل فيه هديل عويس ومن يعمل مع "جسور نيوز" مسؤولية مباشرة، مطالباً بمحاسبتهم.

نمط متكرر

قضية وشاح، وفق مراقبين، ليست استثناءً. فقد تعرض الصحفي أنس الشريف لحملات مشابهة من التشكيك والتحريض، ترافقت مع اتهامات إعلامية حاولت ربطه بسياقات غير مهنية.
كما واجه الصحفي حسن اصليح حملات تشويه تضمنت نشر مزاعم حول ارتباطاته، في نمط يعكس تكرار السيناريو ذاته: تشكيك ثم تحريض وأخيرا استهداف.

الذكاء الاصطناعي تضليل متقدم

محمد عثمان حذر أيضاً من استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تعديل الصور أو إنتاج محتوى بصري مضلل، ما يعقّد مهمة التحقق، ويمنح حملات التحريض أدوات أكثر تطوراً وتأثيراً.

وما يطرح نفسه بقوة في هذه القضية هو السؤال حول حدود العمل الإعلامي: هل يمكن اعتبار نشر ادعاءات غير موثقة، دون تفنيد، جزءاً من حرية التعبير؟ أم أنه يدخل في إطار التحريض، خاصة عندما تكون نتائجه دموية؟

تكشف هذه القضية عن واقع خطير، حيث تتحول بعض المنصات إلى جزء من سلسلة الاستهداف، عبر تمهيد الطريق بالرواية والصورة.

وبينما تتكرر الحالات، من محمد وشاح إلى أنس الشريف وحسن اصليح، تتزايد المخاوف من أن يصبح الصحفي الفلسطيني هدفاً لا فقط بسبب ما يغطيه، بل بسبب ما يُكتب عنه.

ويبقى السؤال الأخلاقي: أين موقف اتحادات الصحفيين العرب ونقابة الصحفيين الفلسطينيين من المنصات الإعلامية التي ثبت تورطها بالشراكة غير المباشرة في عمليات الاغتيال لأمهر وأفضل الصحفيين في قطاع غزة؟