الملخص التنفيذي:
يتصاعد الدور السعودي في الإقليم تحت غطاء أمريكي استراتيجي، خصوصاً في عهد ترامب، حيث حاولت المملكة تعزيز مكانتها كقوة محورية في ملفات إقليمية معقدة، بما فيها الملف الفلسطيني. ومع ذلك، ظل تأثيرها في ملف غزة محدوداً، محصوراً في الأبعاد الإنسانية والدبلوماسية الشكلية دون قدرة فعلية على فرض وقف إطلاق نار على إسرائيل.
من جهة أخرى، تستثمر السعودية الملف الفلسطيني كورقة تفاوضية لتحسين موقعها في معادلات التطبيع مع إسرائيل، واسترضاء الإدارة الأمريكية، بما يجعل رهان الفلسطينيين على أي دور سعودي مباشر أو مبادر خاضعاً لحسابات دقيقة وتوازنات معقدة.
على الفلسطينيين تبني استراتيجية واقعية وبراغماتية، تستثمر أي هوامش سعودية متاحة إنسانياً ودبلوماسياً، دون الوقوع في وهم الدعم السياسي الكامل أو التعويل المفرط على المملكة. كما ينبغي تعزيز السردية الفلسطينية المستقلة، وتوجيه الضغط الشعبي والإعلامي نحو أي مواقف سياسية على حساب القضية الفلسطينية.
تقدير موقف:
الموقف السعودي من وقف إطلاق النار في غزة في ظل علاقته بترامب ونمو الدور السعودي الإقليمي
شهدت مرحلة إدارة ترامب تصاعدًا لافتًا للدور السعودي إقليميًا ودوليًا، خاصة بعد التحولات الجذرية التي قادها ولي العهد محمد بن سلمان، والتي تمثلت في محاولة إعادة تشكيل صورة السعودية كقوة اقتصادية واستثمارية كبرى، وكمركز إقليمي للقرار السياسي، بالتوازي مع توثيق العلاقة الشخصية بينه وبين ترامب وصهره جاريد كوشنر، وهو ما يعزز مكانة الرياض في ملفات عدة.
في هذا السياق، يمكن قراءة مواقف السعودية تجاه محرقة غزة وفق أربعة سيناريوهات محتملة:
1. السيناريو الإنساني (الأكثر ترجيحًا)
o الاكتفاء بأدوار إنسانية مباشرة، مثل فتح المعابر وتسهيل إدخال المساعدات تحت غطاء أممي.
o دفع الأطراف الدولية نحو هدنة إنسانية مؤقتة.
o هذا الدور يحقق هدفين: تحسين صورة ابن سلمان دوليًا، واستثمار ملف غزة كورقة مساومة مع ترمب.
2. السيناريو التفاوضي (محدود التأثير)
o محاولة الظهور كوسيط بين واشنطن ومصر وقطر في ترتيبات وقف إطلاق النار.
o قد تطرح الرياض مبادرات تهدئة مشروطة بملفات أخرى (كالنووي الإيراني أو التطبيع أو دولة فلسطينية).
o إلا أن هامش هذا الدور يبقى محدودًا أمام النفوذ القطري المصري في الملف الفلسطيني.
3. السيناريو الرمزي (الأضعف)
o الاكتفاء بخطابات وتصريحات تدين العدوان بعبارات فضفاضة دون خطوات عملية.
o استهلاك إعلامي يهدف لتهدئة الرأي العام الداخلي وحفظ ماء الوجه العربي.
4. السيناريو المستبعد (ضغط جاد)
o الضغط العلني أو الخشن على (إسرائيل) أو أمريكا لفرض وقف إطلاق نار بالقوة الدبلوماسية أو الاقتصادية.
o هذا السيناريو مستبعد في ظل أن الرياض تراهن على علاقتها مع واشنطن لتحقيق أجندتها الاستراتيجية (الاقتصاد، الدفاع، ملف إيران).
________________________________________
بناء على تقدير الموقف السابق، يمكن استخلاص مجموعة توصيات للفلسطينيين لتعاطي واقعي وذكي مع الدور السعودي المحتمل في سياق العدوان على غزة وعلاقتها بترامب أو الغرب عمومًا:
توصيات للفلسطينيين:
1. التعامل مع السعودية كوسيط محتمل في الهامش الإنساني وليس السياسي
o استثمار استعداد السعودية لتمويل ودعم الجهود الإنسانية، مع عدم رفع سقف التوقعات بدور سياسي حاسم.
o تعزيز الضغط الشعبي والإعلامي لتحريك الموقف السعودي تجاه خطوات عملية تخفف المعاناة (ممرات، دعم أممي، مبادرات إنسانية).
2. فصل خطاب المقاومة عن خطاب العلاقات العربية الرسمية
o عدم رهن الخطاب الفلسطيني على مواقف الدول العربية، خاصة الدول التي باتت تعتبر ملف غزة ورقة تفاوضية في ملفاتها مع واشنطن وتل أبيب.
o تقديم السردية الفلسطينية كقضية تحرر إنساني عالمي بعيدًا عن صراعات المحاور.
3. استثمار الواقع الجديد
o استغلال تناقضات الأطراف الإقليمية (قطر، مصر، السعودية) لتعظيم هامش المناورة.
o الضغط الميداني المدروس لتغيير قواعد الاشتباك بما يفرض على القوى الدولية، بما فيها السعودية، التعامل مع غزة كرقم صعب لا كحالة إنسانية فقط.
4. إدارة العلاقات مع السعودية بعقلية براغماتية
o عدم قطع الجسور، مع تجنب الوقوع في فخ المبالغة في الرهانات أو الاستفزازات.
o الاستفادة من كل نافذة للتمويل أو التأثير السعودي، دون السماح بتحولها لابتزاز سياسي أو تنازل عن الحق والدولة الفلسطينية.
5. توحيد الموقف الفلسطيني حول خطاب ذكي ومركز
o إنتاج سردية فلسطينية موحدة تعيد تقديم القضية بلغة سياسية وإنسانية قادرة على اختراق الإعلام والسياسة الغربية والعربية، بما يحرج الأنظمة ويقلل من قدرتها على الاستثمار في ضعف الساحة الفلسطينية.
________________________________________
خلاصة تقديرية:
في ظل طبيعة العلاقة الخاصة بين ابن سلمان وترامب، يتوقع أن تبقى أدوات السعودية محدودة ومحصورة ضمن الهامش الإنساني أو التفاوضي الناعم، دون امتلاك إرادة أو قدرة للعب دور كابح للعدوان بشكل حقيقي.
وحتى مع ثقل العلاقة مع ترامب، فإن السعودية ستبقى توظف ملف غزة كورقة علاقات عامة أو كورقة تفاوض في ملفاتها الكبرى مع واشنطن، لا كملف محوري استراتيجي في سياستها الخارجية.