"العزل الرقمي كسلاح": الاحتلال الإسرائيلي يعمد إلى قطع الاتصالات والإنترنت في غزة خلال الحرب

الرسالة نت

أصدر مركز الدراسات السياسية والتنموية تقريرًا موسعًا اليوم الخميس، تحت عنوان "العزل الرقمي كسلاح: استهداف البنية التحتية للاتصالات والإنترنت في غزة خلال الحرب"، يسلّط فيه الضوء على استراتيجية الاحتلال الإسرائيلي في استخدام العزل الاتصالي كأداة عسكرية وإعلامية ضد سكان قطاع غزة خلال الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023.

انقطاع الاتصالات: سياسة ممنهجة لا أثر جانبي


أوضح التقرير أن أكثر من 15 انقطاعًا كبيرًا للاتصالات والإنترنت تم توثيقها في غزة منذ بدء العدوان، بعضها استمر لأيام، وتوزعت بين انقطاعات شاملة للقطاع، وجزئية لمناطق مثل شمال غزة، النصيرات، ورفح.
وقد وثّقت منظمات دولية مثل NetBlocks وAccess Now هذه الانقطاعات، ووصفتها الأخيرة بأنها "إغلاق رقمي ممنهج"، محذّرة من كونها واحدة من أسوأ حالات الحجب الجماعي للاتصالات في مناطق النزاع بالعالم.

مسؤولية الاحتلال... وتصريحات رسمية تثبت التعمّد


التقرير أشار إلى تصريح مباشر من مارك ريجيف، مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على قناة MSNBC، قال فيه:
"قطع الاتصالات عن العدو هو أمر متبع في العمليات العسكرية."
وهو ما اعتبره المركز اعترافًا صريحًا باستخدام قطع الاتصال كأداة عسكرية لإرباك المدنيين، وتعطيل الخدمات، وفرض التعتيم الإعلامي.

استهداف متعمد للبنية التحتية والكوادر الإعلامية


بحسب التقرير، تم تدمير 75% من أبراج الاتصالات في غزة (من أصل 841 برجًا)، بينما دُمّر 50% من الشبكة بالكامل، ما أدى إلى خسائر تجاوزت 223 مليون دولار خلال ستة أشهر فقط.
ووثق المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان استهداف مدنيين وصحفيين أثناء محاولاتهم استخدام شرائح دولية أو أجهزة بث بالأقمار الصناعية، عبر القنص المباشر أو الطائرات المسيرة.

انهيار البنية التحتية: إرث من القيود قبل الحرب


لفت التقرير إلى أن قطاع غزة كان يعاني من عزل رقمي مسبق حتى قبل العدوان، نتيجة منع الاحتلال لتقنيات الجيل الثالث والرابع (3G و4G)، واعتماده على شبكات الجيل الثاني فقط (2G)، ما تسبب في حرمان السكان من خدمات الإنترنت الحديثة، وإبقاء القطاع في فجوة تكنولوجية مقارنة بدول الجوار.
وأشار تقرير البنك الدولي (2018) إلى أن تأخير إدخال هذه التقنيات أدى إلى خسائر سنوية تتجاوز 436 مليون دولار في الاقتصاد الرقمي الفلسطيني.

تداعيات إنسانية وإغاثية كارثية


انقطاع الاتصال، بحسب التقرير، شل قدرة المستشفيات وطواقم الإسعاف على التنسيق، كما أدى إلى تعليق عمل منظمات إنسانية بسبب غياب الربط الميداني.
وصرحت منظمة أطباء بلا حدود أن "الانقطاع يحول دون معرفة أماكن الجرحى والمناطق المنكوبة، ما يرفع عدد الضحايا الذين يمكن إنقاذهم."
كما وصفته منظمة هيومن رايتس ووتش بأنه "تحويل للسكان إلى جزر معزولة".

ستارلينك: مبادرة أمل محاصر


أشار التقرير إلى موجة مطالبات عبر مواقع التواصل ووسم #StarlinkForGaza، وجهت إلى إيلون ماسك لتوفير خدمة الإنترنت الفضائي (ستارلينك) لغزة.
ورغم أن النظام قادر تقنيًا على إيصال الإنترنت دون بنية تحتية أرضية، فإن تكلفته المرتفعة وضرورة إدخال معداته إلى غزة يجعلان تنفيذه مرهونًا بموافقات إسرائيلية شبه مستحيلة.

التوثيق الرقمي: جبهة أخرى للنجاة


وينقل التقرير عن خبراء في الإعلام الرقمي قولهم:
"الاتصال لم يعد ترفًا. هو وسيلة بقاء. يمنح الجرحى طريقًا للوصول إلى الطبيب، ويمنح الشاهد وسيلة لإيصال الحقيقة."
وأكد التقرير أن منصات التواصل الاجتماعي كانت في قلب المواجهة الإعلامية، وأن انقطاع الإنترنت عرّض الرواية الفلسطينية للتغييب، بينما سهّل على الاحتلال التحكم في السرد الإعلامي العالمي.

دعوة إلى التحرك الدولي... وتوصيات مركزية


في ختام التقرير، دعا المركز إلى تدخل دولي عاجل لحماية حق الفلسطينيين في الاتصال، ووقف استخدام العزل الرقمي كأداة حرب.
وأوصى بـ:

تحميل الاحتلال المسؤولية القانونية أمام المؤسسات الدولية.

دعم إنشاء شبكات طارئة بديلة في أوقات الأزمات.

تمكين قطاع غزة من الوصول إلى تقنيات الاتصالات الحديثة.

إدماج الحقوق الرقمية ضمن أجندات الدفاع عن حقوق الإنسان في فلسطين.

 
يختم التقرير بتحذير واضح:
"حين يُقطع الاتصال، لا تُمنع المكالمات فقط، بل يُمنع صوت الضحية، وتُخنق الحقيقة، ويُترك الفلسطيني وحيدًا أمام آلة القتل... في زمن الحرب، الاتصال هو الحياة، وهو الذاكرة، وهو الدليل."