"كنت أعيش حياة الماضي حبًّا بها، واليوم أعيشها جوعًا وقهرًا... مجبرة لا مخيّرة." بهذه الكلمات تختصر الحاجة سارة الأشرم، ذات الـ92 عامًا، فصلًا مؤلمًا من تاريخها الطويل، حيث تروي بمرارة كيف تحوّلت ذكريات النكبة إلى واقع قاسٍ تعيشه مجددًا، وسط حرب لا تُبقي ولا تذر.
عاشت الحاجة سارة نكبة عام 1948 وهي شابة، وعرفت طعم الهجرة الأولى، يوم هجّرت مع أسرتها من بلدة بئر السبع إلى قطاع غزة، واستقرّ بهم المقام في مخيم أنشأته وكالة الغوث على قطعة أرض خصصتها لهنّ.
لكنها اليوم، بعد مرور أكثر من سبعة عقود، تعيش نكبة جديدة، لا تشبه الأولى إلا في وجعها. تقول: "ما رأيناه في النكبة كان مؤلمًا، لكن ما يحدث اليوم في غزة يفوق الوصف. في السابق كنا نعرف من هجّرنا وأين سنذهب، أما اليوم فلا مأمن ولا مفرّ. كل غزة تحترق."
كانت الحاجة سارة تعيش في بيت متواضع في مخيم النصيرات، وفي فنائه الصغير احتفظت بفرن الطين وبيت الشعر الذي يشبه ذاك الذي عاشت فيه أولى سنوات تهجيرها. كانت تعود إليه بين الحين والآخر، تستحضر ذكرياتها بإرادتها.
"كنت أحب أجواء الماضي، أطبخ على فرن الطين، وأجلس في بيت الشعر، أعيش زمنًا كان صعبًا، لكنه من اختياري أن أستذكره."
لكن اليوم، كما تقول، تغيّر كل شيء: "اليوم أعيش الماضي مجبرة، أبحث عن حطب فلا أجد، أفتش عن طحين فلا أجد، حتى الماء بالكاد يصل. صرتُ أعيش حياة لا خيار فيها."
تتحدث بصوت خافت عن الجوع الذي يفتك بجسدها النحيل، وعن الموت الذي يمرّ كل لحظة من أمام خيمتها، تألفه ولا تعتاده: "نرى الموت بأشكال مختلفة: القصف، الجوع، العطش، الخوف... كلها طرق للقتل. في الـ48 هُجّرنا، لكننا على الأقل بقينا أحياء. اليوم، من نجا من القصف قد يموت من الجوع."
عندما تُسأل عن وجه الشبه بين نكبة الأمس ونكبة اليوم، تهز رأسها وتقول: "النكبة كانت بداية تهجير، أما ما نعيشه اليوم فهو نهاية حياة. في النكبة زرعنا وبنينا رغم الفقر، أما اليوم فحتى الهواء نسرقه من تحت الركام."
تختم شهادتها والدموع تملأ عينيها: "كأن التاريخ يعيد نفسه، رأينا من الاحتلال كل أنواع العذاب على مرّ السنين."