“لم أعد أعرف نفسي في المرآة… وكأن جسدي قرر أن يبوح بكل شيء عجز لساني عن قوله.”
– هكذا همست الطفلة لانا الشريف - 10 أعوام - وهي تمسك بخصلات شعرها التي غزاها البياض، وتشير إلى بقع بيضاء بدأت تكسو جسدها، دون سابق إنذار، سوى الخوف.
في رفح، المدينة الواقعة جنوب قطاع غزة، لا تبدو لانا مجرد طفلة أخرى مزقتها الحرب؛ بل جسد صغير يصرخ بصمت، ويُترجم وجعه النفسي ببهَاق في الجلد، وشيب مبكر في الرأس. فبعد أن أجبرت على ترك منزلها ومدرستها إثر العدوان، نزحت مع أسرتها إلى مأوى مؤقت—خيمة لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء. هناك، بدأت رحلة الانهيار الصامت.
كانت لانا تلميذة مجتهدة في الصف الرابع، تحب الدراسة والرسم، قبل أن تفقد كل شيء. لا مقعد مدرسي، لا حصة رسم، ولا حتى مرآة في غرفتها.
مع كل قصف، كانت ترتجف، تلوذ بأمها، وتدفن رأسها في حضنها. ومع تكرار المشاهد العنيفة وصدى الانفجارات، بدأ جسدها يعاني.
ذات يوم، لاحظت والدتها بقعة بيضاء صغيرة على خدها. لم تعرها اهتمامًا في البداية، لكن شيئًا فشيئًا، بدأت البقع بالاتساع، وتساقط شعر رأسها حتى بدأ البياض يزحف عليه. أطباء المستشفى الميداني شخصوا حالتها: بهَاق ناتج عن صدمة نفسية حادة، وإجهاد عصبي تجاوز قدرات طفلة صغيرة على التحمل.
ليس المرض فقط ما أنهك لانا، بل نظرات المحيطين. فبينما تحاول لانا التعايش مع ملامحها الجديدة، يلاحقها أطفال المخيم بكلمات جارحة: “أنتِ مثل العجائز!”، “وجهك غريب!”، فتتراجع خطواتها، وتنزوي في ركن الخيمة، رافضة الخروج.
أما والدتها، فتمضي وقتها في طرق أبواب الجمعيات الطبية، علّها تحصل على دواء يوقف زحف البهَاق. لكنها تصطدم بعائق قاسٍ: علاج ابنتها نادر، في وقت لا يجد فيه المرضى العلاجات الأساسية.
وتُزيد الأم حسرتها حين تتحدث عن المدرسة: “كانت لانا الأولى في صفها، تحفظ الجدول وتحلم بأن تكون معلمة، لكنها الآن حتى القلم ترفض أن تمسكه”.
المخيم لم يوفر لها تعويضًا عن مقعدها الدراسي، ولا جلسات دعم نفسي. فقط خيمة، وتضاريس جديدة على جسد صغير يُنادي بالنجدة.
تقول والدتها: “كنت أظن أن الخوف يمر، أن الأطفال ينسونه، لكن لانا خزنته تحت جلدها”.
في غزة، لا ينهار الحجر وحده تحت القصف، بل تنهار معه الأرواح الصغيرة. ولانا ليست حالة استثنائية؛ هي شاهد حي على ما تركته الحرب من أعباء نفسية على جسد الغزيين.
ولعل قصتها اليوم، ليست فقط مناشدة علاج، بل صرخة استغاثة إنسانية: أوقفوا الحرب قبل أن يتسع البياض أكثر، وقبل أن تفقد غزة ملامح أطفالها.