رائد صلاح حمادة، ممرض في إحدى مستشفيات غزة، لم يكن يدرك أن يومًا عاديًا في عمله سيقلب حياته رأسًا على عقب. بينما كان منشغلًا بإنقاذ أرواح الجرحى من القصف المستمر، تلقى اتصالًا هز كيانه. قيل له إن منزله، الذي كان يأوي زوجته الحامل في شهرها التاسع، وسبعة من أطفاله الذين لم يتجاوزوا العشر سنوات، وأمه المقعدة، قد دُمر بالكامل دون سابق إنذار.
هرع رائد إلى بيته، فلم يجد سوى الركام والدخان. وبين الأنقاض، لم يتعرف على زوجته إلا من خلال ملابسها. جمع ما تبقى من أشلائها قطعةً قطعة، ووضعها في كيس أسود أعدّه للدفن.
لم يكن هناك جثمان كامل ليودعه. زوجته، التي كان ينتظر معها مولودًا جديدًا، تحولت إلى ذكرى مؤلمة لا يمكن استيعابها.
يتحدث رائد عن اللحظة التي واجه فيها الحقيقة المروعة: "كل أطفالي السبعة كانوا في المنزل، كلهم تحت الأنقاض. لم أستطع أن أميز ملامحهم. كانوا أشلاءً متناثرة. لقد استهدفهم الاحتلال ببرودة، وكأن قتل الأطفال هو الهدف."
يروي رائد بغصة في صوته: "هذه سياسة (إسرائيل)، لا تريدنا أن نحيا، ومستعدة لقتل شارع كامل مليء بالأطفال لتحقيق أهدافها. أطفالي لم يكونوا يحملون أسلحة، لم يكونوا يشكلون تهديدًا. كانوا فقط يلعبون في منزلهم، يضحكون ويرسمون أحلامهم البسيطة."
أم رائد، التي كانت مقعدة لا تستطيع التحرك، كانت من بين الضحايا. لم تتح لها الفرصة للنجاة. كانت تناديه باسمه كلما عاد من عمله لتطمئن عليه. الآن، لم يتبقَ من صوتها سوى صدى يطارده.
في النهاية، فقد رائد 16 فردًا من عائلته دفعة واحدة: زوجته الحامل، أطفاله السبعة، أمه، وأفرادًا آخرين من أسرته. دُمر كل شيء: أحلامه، بيته، وأمانه. "لقد قتلوا كل شيء جميل في حياتي. ولكنهم لم يقتلوا صمودنا. نحن هنا لنقول إن الأطفال ليسوا أهدافًا، وإن الإنسانية لا تزال تنبض في قلوبنا رغم كل هذا الألم."
رائد صلاح حمادة، الممرض الذي اعتاد على إنقاذ الأرواح، وجد نفسه اليوم في مواجهة فقد لا تصفه الكلمات، ولا يداويه الزمن. قصة تُجسد معاناة الفلسطينيين اليومية تحت الاحتلال، حيث يصبح الأطفال والأحلام أهدافًا لصواريخ بلا رحمة.
وتشير آخر الإحصاءات إلى أن عدد الأطفال الفلسطينيين الشهداء وصل إلى أكثر من 1200 طفل، فيما تجاوز عدد الجرحى منهم 3500 طفل، جراء استئناف القصف المتواصل والحصار الذي تفرضه قوات الاحتلال على قطاع غزة، في استهداف مباشر وممنهج للمدنيين وخاصة الأطفال.