في الوقت الذي يكابد فيه أهالي غزة أقسى ظروف الحصار والتجويع، تتحضّر سلطات الاحتلال الإسرائيلي لإطلاق حملة دعائية واسعة النطاق، تخفي خلف ستارها الإنساني نوايا سياسية وأمنية بالغة الخطورة، تهدف إلى تشكيل واقع جديد في القطاع تحت شعار "توزيع المساعدات"… لكنها مساعدات مشروطة بالرحيل.
مشهد من الإغراء الإنساني المغلّف بالمكر السياسي
وفق معلومات موثوقة، تُعد سلطات الاحتلال لإغراق بعض مناطق القطاع، لا سيما محيط النقاط الأمنية جنوب قطاع غزة، بكميات كبيرة من المساعدات الغذائية والطبية خلال الساعات المقبلة، مدفوعة بحملة إعلامية مكثفة، تستهدف خلق "مشهد اصطناعي" يظهر تجاوب المواطنين مع الدعوة للانتقال نحو تلك النقاط.
الهدف الظاهري هو تسهيل وصول المساعدات، بينما تكمن الغاية الحقيقية في "قياس درجة تجاوب السكان"، تمهيداً لمرحلة ثانية تُربط فيها المساعدات بشرط "النزوح الممنهج جنوباً"، عبر التسجيل المسبق، وربما لاحقاً قصر التسجيل على فئات عمرية معيّنة، خاصة فئة الشباب.
فخ بوجهين: المساعدات أو التهجير
تبدو الخطة الإسرائيلية – الأميركية المشتركة أقرب إلى نموذج معسكرات الاعتقال منها إلى "نقاط إنسانية"، إذ تتعمد (إسرائيل) توظيف الأزمة الإنسانية كوسيلة ضغط على المواطنين، لدفعهم تدريجياً نحو ما يشبه "مناطق فصل جغرافي وسكاني"، بغرض إحكام السيطرة على التحرك داخل القطاع، وربما تسهيل إخراج آلاف المواطنين في مراحل لاحقة إلى خارج القطاع.
الخطورة الكبرى تكمن في استخدام المساعدات كأداة لإعادة تشكيل الخارطة السكانية لغزة، عبر تهجير صامت لا يسبق بالقوة، بل يُغلف بـ"الإغراء الإنساني" ثم يُتبع بـ"الحصار الذكي"، ليصبح البقاء في شمال القطاع أمرًا مستحيلاً دون المواد الأساسية، مما يدفع الأهالي للاختيار بين الجوع أو النزوح.
المرحلة القادمة: التهديد الوجودي
تشير التقديرات إلى أنه في حال نجاح الخطة خلال الأيام الأولى، فإن الاحتلال سيسرّع تنفيذ المرحلة التالية، والتي تشمل إعادة انتشار عسكرية جديدة، وتركيز المعونات في مناطق محددة فقط، ما يعني دفع مزيد من العائلات نحو مناطق التكدّس والفوضى.
أما إذا فشلت الخطة، وفشل الاحتلال في إقناع السكان بالتوجّه نحو "مناطق العزل"، فإن ذلك قد يمثل نقطة تحوّل حاسمة، ليس فقط في مسار إدخال المساعدات، بل في مستقبل الإبادة الجماعية ذاتها. فتعطيل هذا المخطط قد يجهض استراتيجية الاحتلال التي تراهن على "تفكيك الجبهة الداخلية" لسكان غزة.
لم يعد الأمر مجرد مسألة توزيع مساعدات، بل بات يتعلق بمصير سكان غزة ومستقبل وجودهم على أرضهم. إنها حرب من نوع آخر، تُخاض عبر رغيف الخبز وحبة الدواء، لكنها لا تقل خطورة عن الحرب التي خيضت بالصواريخ والرصاص.
وإن كان النصر في المعركة الميدانية يحتاج إلى صبر وتضحيات، فإن النصر في هذه المواجهة السياسية – النفسية يحتاج إلى وعي جماعي، يرفض أن يُستغل وجع الناس كأداة لاقتلاعهم. وكما أفشل الشعب الفلسطيني سابقًا مشاريع التهجير والتفكيك، فإنه اليوم أيضًا قادر، بإيمانه وصبره ووحدته، أن يُفشل آخر فصول المؤامرة