في موقف يثير تساؤلات واسعة، التزمت رئاسة السلطة الفلسطينية الصمت تجاه خطة الاحتلال الإسرائيلي الرامية إلى إنشاء "غيتوهات" معزولة في منطقة رفح جنوب قطاع غزة، لعزل عشرات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين المهجّرين قسرًا. ورغم التحذيرات المتكررة التي أطلقتها جهات أممية، أبرزها وكالة الأونروا ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، التي وصفت الخطة بأنها جريمة تهجير قسري تهدد الحقوق الأساسية للفلسطينيين، لم تُصدر قيادة السلطة أي موقف رسمي يرفض هذه الخطوة الخطيرة.
خلفية المشروع وخطورته
تقوم الخطة الإسرائيلية على إنشاء مناطق تهجير مغلقة ومعزولة بجدران أمنية وأسلاك شائكة في أقصى جنوب قطاع غزة، وتحديدًا في منطقة الشريط الحدودي مع مصر. تهدف الخطة إلى تجميع عشرات الآلاف من النازحين داخل "كنتونات" ضيقة تفتقر إلى مقومات الحياة، تحت إشراف أمني مباشر إسرائيلي أو من أطراف دولية، وتحت غطاء "الاستجابة الإنسانية المؤقتة".
إلا أن جوهر المشروع، وفق تحليلات خبراء حقوقيين وسياسيين، يكمن في شرعنة تهجير سكان شمال ووسط القطاع ومنع عودتهم إلى مناطقهم الأصلية، وتحويلهم إلى "مجتمعات محصورة" ضمن ما يشبه سياسة الفصل العنصري، ما يشكّل انتهاكًا صارخًا لاتفاقيات جنيف، ويُعدّ جريمة تهجير قسري وفق القانون الدولي.
كما تندرج هذه الخطوة ضمن مخطط أوسع لإعادة تشكيل الخارطة الديموغرافية والسياسية في غزة، وتحويلها إلى كيان مفكك وخاضع أمنيًا، تمهيدًا لفصلها الكامل عن الضفة الغربية وتصفية ملف العودة وحق تقرير المصير.
موقف السلطة: صمتٌ مريب وموافقة ضمنية
ويرى مراقبون أن صمت رئيس السلطة محمود عباس ونائبه حسين الشيخ، في ظل هذه المعطيات، يمثل موافقة ضمنية على المشروع الإسرائيلي، ويكشف عن تجاهل واضح لمخاطره السياسية والإنسانية. كما لم يُسجّل أي تحرك دبلوماسي أو موقف إعلامي من مؤسسة الرئاسة يُظهر اعتراضًا أو رفضًا لهذه الخطة التي تكرّس التقسيم السكاني وتشرعن إقامة كانتونات بشرية على أساس عنصري.
ويتزامن هذا الصمت مع تحركات خارجية لعباس، كان آخرها زيارته إلى لبنان، حيث أدلى بتصريحات مثيرة للجدل حول ضرورة نزع سلاح المقاومة، متجاهلًا بذلك واقع الإبادة والتهجير الجماعي الذي يتعرض له أبناء غزة.
تداعيات كارثية على مستقبل القضية الفلسطينية
ويحذّر محللون من أن القبول الضمني أو الفعلي بهذا المشروع من أي طرف فلسطيني، سيُعدّ بمثابة تخاذل عن حماية حقوق الشعب الفلسطيني، وسابقة خطيرة قد تُستغل لتثبيت وقائع جديدة على الأرض، تنهي عمليًا وحدة الأرض الفلسطينية وتُقوّض أي أفق سياسي لحل عادل وشامل.
ما يجري اليوم في رفح ليس فقط مأساة إنسانية، بل مشروع استعماري مبيّت، يتطلب موقفًا وطنيًا موحدًا وعاجلًا لوقف تنفيذه وإفشاله، قبل أن يصبح واقعًا دائمًا يشرعن الاحتلال ويُنهي الحلم الفلسطيني بالعودة والحرية.