تحت نيران الاحتلال

مرضى الفشل الكلوي .. حياة على حافة الموت

مرضى لافشل الكلوي.
مرضى لافشل الكلوي.

الرسالة نت- خاص

وسط ركام المستشفيات المُدمّرة، وصوت الطائرات الذي لا يغيب عن سماء غزة، يصارع مرضى الفشل الكلوي معركة من نوع آخر: معركة البقاء على قيد الحياة في ظلّ نقص الدواء، وانهيار البنية التحتية الصحية، وتدمير الاحتلال الإسرائيلي لمراكز غسيل الكلى.

فمع كل يوم يمضي، ينفد مخزون الأدوية الخاصة بمرضى الكلى، والمحاليل الوريدية الأساسية، إضافةً إلى تعذّر الحصول على الطعام الصحي الضروري لهم.

**دون علاج ولا أجهزة

في مستشفى الشفاء، تنتظر الطفلة سندس (12 عامًا) دورها في جلسة غسيل الكلى، وقد تضاءل وزنها، وبدت ملامح وجهها شاحبة. والدتها تبكي وتقول:
"تقلّصت جلسات الغسيل، لا يوجد علاج، ولا يوجد طعام صحي. حياة ابنتي في خطر، ويومًا بعد يوم تزداد الخطورة، ويفقد المرضى حياتهم في غزة وهم ينتظرون السفر للعلاج".

وترى أم سندس أن السفر هو بوابة النجاة لابنتها كي تتحسن حالتها، لكنها تنتظر منذ عام ونصف دون جدوى، مشيرةً إلى أن واقع غزة يفاقم وضعها الصحي؛ فلا غذاء صحي، ولا مياه نظيفة، وحتى العلاج بالكاد يتوفّر.

بدوره، يقف المريض يحيى سعيد في قسم غسيل الكلى، في انتظار دوره على جهاز الغسيل، وقد علت وجهه علامات التعب والذبول، بسبب حاجته إلى عدد جلسات أكبر من المتوفرة حاليًا.

ويُضطر المسن يحيى إلى السير لمسافة طويلة من شمال قطاع غزة للوصول إلى مركز الغسيل الوحيد حاليًا في مدينتي غزة وشمالها، معتبرًا أن أوضاع القطاع الصحي برمّتها تُفاقم تدهور حالتهم الصحية.

يقول لـ"الرسالة":"كنا نغسل الكلى ثلاث مرات في الأسبوع، أما الآن فأصبحنا نغسل مرتين فقط، ولم نعد قادرين على التحمّل ومقاومة المرض".
ويُضيف:
"نوعية الأطعمة التي نتناولها تزيد من كمية السموم في أجسامنا، ونحتاج معها إلى زيادة عدد الجلسات، لا تقليصها، لكن هذا هو المتاح حاليًا".

**مرضى بلا رعاية

وأظهر تقرير جديد أصدره المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، أن قوات الاحتلال ارتكبت خلال هجومها على قطاع غزة الذي بدأ في أكتوبر 2023، أفعالًا ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، أدّت إلى وفاة 472 مريضًا من أصل 1200 مريض بالفشل الكلوي، بنسبة 41%، كما دمّرت 78 جهاز غسيل كلوي من أصل 140 جهازًا، ما حرم المرضى من الخدمات العلاجية المنقذة لحياتهم.

وأكد التقرير، الذي حمل عنوان "مرضى الفشل الكلوي بلا رعاية صحية"، أن الحصار العسكري على المستشفيات واقتحامها، وقتل واعتقال الطواقم الطبية والمرضى، وتدمير الأجهزة والمعدات الطبية، ومنع توريد الوقود لتشغيل المستشفيات، تمثل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، وترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وفقًا لميثاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية.

وأوضح التقرير أن ستة من أصل سبعة مراكز متخصصة في تقديم خدمات غسيل الكلى في غزة تعرضت لدمار واسع أو خرجت عن الخدمة بشكل كامل، بينها أربعة مراكز في محافظتي غزة والشمال، ومركزان في محافظتي الوسطى والجنوب.

وأشار التقرير إلى أن 62 جهاز غسيل كلوي ما تزال تعمل بكفاءة منخفضة بعد تدمير 78 جهازًا، ما أدى إلى تقليص معدلات الخدمة المقدّمة للمرضى إلى النصف، في ظل نقص حاد في الأدوية والمستهلكات الطبية.

وتركز العدد الأكبر من وفيات مرضى الفشل الكلوي في محافظتي غزة والشمال نتيجة اقتحام وتدمير مراكز الغسيل وحرمان المرضى من الوصول إلى جلساتهم بانتظام، ما فاقم تدهور حالتهم الصحية وأدى إلى وفاتهم.

وأكد التقرير أن عددًا من المرضى اضطروا إلى النزوح نحو وسط وجنوب القطاع بحثًا عن خدمات الرعاية الصحية، مشيرًا إلى أن بعضهم توفي بعد تقليص ساعات الغسيل من 12 إلى 4 ساعات أسبوعيًا، فيما لا يزال آخرون يكافحون للحصول على جلسة غسيل واحدة أسبوعيًا في ظروف كارثية.

**الاحتلال يقتلهم

وذكر التقرير أن هناك حاليًا نحو 728 مريضًا يترددون على خدمات الغسيل الكلوي، موزّعين على أربعة مراكز أُعيد تشغيلها رغم الأضرار الجسيمة، وهي:مستشفى الشفاء بغزة (280 مريضًا)، مستشفى الزوايدة الميداني (50 مريضًا)، مجمع ناصر الطبي بخان يونس (260 مريضًا)، مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح (138 مريضًا)
وحمل المركز القوات الإسرائيلية المحتلة المسؤولية الكاملة عن تدهور الحالة الصحية لمرضى الفشل الكلوي ووفاة المئات منهم، باعتبارها القوة القائمة بالاحتلال، والتي تفرض عليها اتفاقيات جنيف التزامات قانونية واضحة في توفير الرعاية الصحية للسكان المدنيين.

ودعا التقرير في توصياته المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل لوقف جريمة الإبادة الجماعية، والسماح بتدفق الأدوية والمستهلكات الطبية وأجهزة غسيل الكلى إلى قطاع غزة، والعمل على توفير بدائل فاعلة تضمن استمرار تقديم الخدمة لمرضى الفشل الكلوي، بما في ذلك السماح لهم بالسفر لتلقي العلاج خارج القطاع.