في مشهد يُجسّد قمّة البشاعة السياسية والوحشية العسكرية، شهدت مناطق جنوب قطاع غزة، وتحديدًا منطقتي مواصي رفح ونتساريم، واحدة من أكثر المجازر دموية بحق المدنيين العُزّل الذين لم يحملوا سوى أملاً بالحصول على فتات من المساعدات. المجزرة التي أطلق عليها أهالي غزة اسم #مجزرة_ويتكوف – نسبة إلى الوسيط الأمريكي بمفاوضات التهدئة" – تحوّلت إلى شاهد حي ومباشر على دموية الاحتلال وشريكه الأمريكي.
مع ساعات الصباح الأولى من اليوم، تجمّع المئات من المواطنين في منطقة "فش فرش" قرب محور المساعدات بمواصي رفح، بعد أن أُبلغوا من طائرات كوادكابتر أمريكية بأن هناك مساعدات بانتظارهم. وبينما كان الأطفال والنساء يسيرون حفاةً وبأملٍ كبير، تحوّلت الساحة إلى مسرح دموي حين أطلق جنود الاحتلال رصاصهم الحيّ، تساندهم عناصر من المرتزقة الأجانب الذين يتبعون لشركة أمنية أمريكية، على الجموع المحتشدة.
أكثر من 35 شهيدًا ارتقوا على الفور، وعشرات الجرحى تناثروا على الطرقات الرملية، في مجزرة وصفتها جهات حقوقية بأنها "جريمة مكتملة الأركان في حق مدنيين يسعون خلف المساعدات".
يقول "جهاد أبو رضوان"، وهو شقيق أحد الشهداء: "هدول الأطفال بدهم يأكلوا، مش جايين يقاتلوا! أخوي استشهد وهو شايل ابنه عشان يجيب له كيس طحين".
أما الحاجة أم خالد، فتروي بصوت متهدّج: "قالوا لنا روحوا في مساعدات.. مشينا، وقبل ما نوصل، بدأ الرصاص يصبّ علينا من كل جهة..، وصاروا يضربوا كل مين يتحرك".
شهادات الناجين تفضح أكذوبة ما تُسمى "مناطق آمنة"، وتؤكد أن الولايات المتحدة لا تدعم الاحتلال سياسيًا وعسكريًا فقط، بل توفر أدوات الموت المباشر على الأرض، عبر شركات أمنية تدير المساعدات وتُطلق النار على المجوعين.
ازدواجية الخطاب الأمريكي:
منذ بدء الحرب على غزة، لم تتوقف الطائرات الأمريكة عن نقل آلاف الأطنان من أسلحة وذخائر الموت (لإسرائيل)، فيما تزعم الإدارة الأمريكية أنها تُقدّم مساعدات إنسانية للمدنيين، لكنها في الحقيقة تُشارك في قتلهم. فالمجزرة وقعت ضمن نقاط توزيع تُديرها جهات أمريكية، وتحت إشراف مباشر من شركة أمنية ثبت تورطها في إطلاق النار إلى جانب جيش الاحتلال. وهذا يعكس بوضوح كيف تحوّل الدعم الأمريكي من الدعم السياسي والعسكري إلى المشاركة العسكرية الفعلية في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
ويتجلى النفاق والانحياز الأمريكي بشكل واضح في المقترح الذي قدمه ويتكوف مؤخرا، الذي وصفه محللون بأنه مقترح إسرائيلي بغلاف أمريكي، لا يتضمن أي تلبية لحقوق ومطالب شعبنا الفلسطيني وأولها ضمان وقف إطلاق النار الدائم والانسحاب الكامل من القطاع وإدخال المساعدات بلا قيود، الأمر الذي شددت عليه فصائل المقاومة في ردها على المقترح.
فصائل فلسطينية وحقوقيون ومؤسسات دولية حملوا الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة الأمريكية المسؤولية الكاملة عن مجزرة ويتكوف. وطالبوا بفتح تحقيق دولي عاجل في طبيعة عمل الشركة الأمريكية ومساءلتها قانونيًا، كونها شاركت في تنفيذ مجزرة ميدانية ضد مدنيين.
كما تُوجّه أصابع الاتهام إلى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي لطالما تحدثت عن "القيم الأمريكية" و"الديمقراطية"، لكنها تكتفي بالصمت أو التبرير حينما يُسفك دم الفلسطيني على يد مرتزقتها.
الدماء التي سالت اليوم على بوابة مساعدات أمريكية تُثبت أن ما يُقدَّم لغزة ليس طعامًا، بل رصاصٌ مُغلَّف بشعاراتٍ إنسانية. فكل طرد غذائي بات مرهونًا برصاصة، وكل خطوة نحو "المساعدات" قد تعني الموت.