في خيمة صغيرة نُصبت على هامش مخيم النصيرات، جلست السيدة عائشة العرقان تحتمي بظلٍ هشّ من حرّ الشمس، تحت سماءٍ مثقلة بالغبار والحسرة.
لم تكن هذه محطتها الأولى في رحلة النزوح القسري؛ فقد بدأت رحلتها من جحر الديك، المنطقة التي أصبحت ساحة تمركز للاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة. تركت منزلها وكل ما تملكه خلفها، وانتقلت إلى خان يونس، ثم رفح، حتى انتهى بها المطاف في النصيرات.
عائشة، المصابة بـسرطان الغدة منذ أربع سنوات، كانت تتلقى علاجها بشكل دوري في مستشفيي الشفاء والرنتيسي، وتحصل على أدويتها بانتظام، مما حافظ على استقرار وضعها الصحي.
لكن منذ بدء الحرب، انقلبت حياتها رأسًا على عقب. تقول:
“الأطباء الذين كانوا يتابعون حالتي غادروا غزة، والعلاج الذي كنت أتناوله لم يعد متوفراً. أصبحت أعاني بصمت.”
عندما سألناها عن إمكانية مغادرة غزة لتلقي العلاج، أجابت بنبرة حاسمة يملؤها الألم:
“لا أريد أن أخرج من غزة. أريد أن أتعالج هنا، في بلدي. هذا حقي. لا أستطيع أن أترك أبنائي وأخرج وحدي. رأيت كثيرًا من الأمهات خرجن للعلاج، ثم استُشهدت عائلاتهن بعد أيام. لا أريد أن أعيش هذه الكارثة. أريد أن أحيا مع أبنائي، أو أموت معهم.”
رحلة الألم لم تبدأ مع المرض، بل مع فقدان ابنها، الذي خرج قبل أشهر لجمع الحطب من منطقة جحر الديك، ولم يعد.
“استشهد برصاص الاحتلال. ومنذ فقدته، فقدت الرغبة في كل شيء. تركت العلاج، وتركت الأدوية. صارت الحياة بلا معنى. لم أعد أبحث عن النجاة، ابني كان كل حياتي.”
اليوم، تقيم عائشة في خيمة لا تصلح حتى للجلوس المؤقت، ناهيك عن الإقامة الطويلة. تعاني من ضيق نفس مزمن، وتحتاج إلى فرشة ومخدة طبية، لكنها تنام على قطعة إسفنج رقيقة لا توفر الحد الأدنى من الراحة.
“النوم بالنسبة لي… كالموت. لا راحة، ولا تنفس. الحرارة خانقة، وفي الصيف ماذا سيحدث عندما تبدأ الحشرات والروائح؟”
ورغم كل هذا الألم، تتحدث عائشة بصلابة الأمهات اللواتي فقدن أغلى ما يملكن، لكنها لا تطلب شفقة، بل تطالب بحقها في الحياة.
عائشة العرقان ليست حالة فردية، بل صوتٌ من بين آلاف الأصوات في غزة المحاصرة، التي ترفض أن يُفرض عليها خيار الهجرة أو الموت.
هي تطالب فقط بأن تتمكن من مواصلة علاجها بكرامة، داخل أرضها، وبين أبنائها.
هي لا تبحث عن حياة مترفة، بل عن حياة طبيعية… لا أكثر.