بينما كان الاحتلال يظن أن آلة الحرب والإبادة التي صبّها فوق رؤوس الفلسطينيين في غزة منذ أكثر من 600 يوم كفيلة بإخماد جذوة المقاومة، جاءت عمليتا خانيونس وجباليا لتنسفا هذا الوهم، وتؤكدا مجددًا أن المقاومة الفلسطينية لا تزال تحتفظ بمخزون تكتيكي وتنوع ميداني يسمح لها بالضرب، والضرب الموجع، في توقيتات حساسة ومواقع استراتيجية.
في الجنوب، اختار المقاومون أن يفتحوا جبهة ميدانية ونفسية في خانيونس، عبر تنفيذ عملية نوعية استهدفت قوة ( إسرائيلية) خاصة، ما يؤشر على قدرة المقاومة على استعادة زمام المبادرة، حتى في مناطق يفترض الاحتلال أنها تحت "سيطرته الكاملة".
وفي الشمال، أعلنت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، اليوم الجمعة عن تنفيذ كمين مركب في محيط موقع المبحوح شرق جباليا عندما استهدفت ناقلة جند من نوع "نمر" بقذيفة "الياسين 105" وعبوة "شواظ"، ما أدى لتدميرها وإيقاع طاقمها بين قتيل وجريح.
وعندما تدخلت قوة نجدة إسرائيلية لإخلاء الموقع، تعرضت لعبوة شديدة الانفجار دمّرت جيبًا عسكريًا من نوع "همر"، تلاها اشتباك مباشر بأسلحة خفيفة، ثم إطلاق نار على طائرة مروحية من نوع "يسعور" أجبرها على الانسحاب قبل تنفيذ عملية الإجلاء.
هذان الحدثان –جنوبًا وشمالًا– يعكسان قدرة المقاومة على الضرب المتزامن في أكثر من محور، ويؤكدان أن حيوية الفعل الجهادي لم تُستنزف، بل تطورت في شكل كمائن مركبة وتخطيط ذكي يربك الحسابات ( الإسرائيلية).
تنوع ميداني وتكتيكي
اللافت أن هذه العمليات لم تأتِ كأحداث معزولة، بل ضمن سلسلة ممتدة تنوّعت بين العبوات والكمائن والاشتباك المباشر، ما يعكس مرونة العقل المقاوم وقدرته على التأقلم مع الظروف المتغيرة شمالًا وجنوبًا.
مقاتلو القسام والمقاومة الفلسطينية يعملون وفق فهم عميق لتضاريسهم، ويستفيدون من كل فرصة لتعقيد مهمة العدو، مستخدمين تكتيكات الضرب والانسحاب، والاستدراج والانقضاض، وتوظيف البيئة لصالحهم في الميدان.
الرسائل متعددة الاتجاهات
عملية خانيونس وكمين جباليا يرسلان ثلاث رسائل قوية:
للعدو: أن لا مكان آمنًا له في غزة، وأن "السيطرة الميدانية" التي يدّعيها لا تتجاوز الخيال العسكري.
للشعب الفلسطيني: أن المقاومة موجودة، متيقظة، حاضرة في كل الجبهات، رغم المجازر والجوع والحصار.
للعالم: أن هذا الشعب ليس ضحية فقط، بل صاحب مشروع تحرري حيّ يقاوم على جبهات متعددة.
الاحتلال في مأزق..
المؤسسة الأمنية والعسكرية (الإسرائيلية) تدرك تمامًا خطورة هذه العمليات النوعية، لأنها تنسف السردية التي يسوّقها قادتها عن "تفكيك البنية التحتية للمقاومة"، وتضعف من معنويات الجنود والمجتمع الصهيوني برمّته، خصوصًا مع تواصل الخسائر البشرية، وامتداد الحرب بلا أفق.
وقد عبّر المحلل العسكري (الإسرائيلي) نوعام أمير عن صدمة المؤسسة العسكرية من العمليات الأخيرة ، قائلاً إن مثل هذه الضربات تُظهر "فشلًا استخباريًا وتكتيكيًا خطيرًا"، فيما أقرّ جنود (إسرائيليون) – وفق تقارير عبرية – أن تكرار هذا النوع من الكمائن يُفقدهم الثقة بقيادتهم، ويؤثر على معنوياتهم في الميدان.
وطالب بعض المحللين (الإسرائيليين) ، من ضمنهم عوفر شيلح، بمراجعة جذرية للاستراتيجية المتّبعة في غزة، محذرين من أن "التمسك بالاحتلال البري في مناطق معادية دون خطة خروج، ليس سوى غرق في المستنقع".
ضربة مركّبة تكتيكيًا ونفسيًا
في المقابل، وصف الخبير العسكري اللواء فايز الدويري كمين خانيونس بأنه "ضربة تكتيكية مركبة"، أكدت فشل الاحتلال في تحقيق أمن ميداني حتى في مناطقه المفترضة.
أما العقيد العراقي حاتم الفلاحي، فقد شدد على أن العملية استخدمت أسلوب "عواء الذئب"، وهو تكتيك خداعي متقدم يدل على تطور فكر المقاومة وقدرتها على المبادرة.
ورأى مراقبون فلسطينيون أن الكمين أتى على ثلاث دفعات – كما ذكرت بعض المصادر – ما يعكس توزيعًا احترافيًا للأدوار، ومهارة عالية في التحكم بجغرافيا الاشتباك والتوقيت.
ما بعد الكمين
تكرار هذه الضربات في مناطق تعتبرها "مؤمنة" يجعل من الجنود أهدافًا دائمة، ويضع القيادة (الإسرائيلية) أمام مأزق: هل تستمر في الاحتلال المباشر المكلف ميدانيًا ونفسيًا؟ أم تنسحب وتقر بالهزيمة ولو مواربة؟
بعد 20 شهراً من الإبادة المنظمة، لم تمت المقاومة، بل تجدّدت.
فخلف كل ركام في غزة مقاتل ينتظر لحظة الانقضاض.
وخلف كل دمعة أمّ، عهد على الثأر.
وخلف كل ادّعاء صهيوني بـ"الانتصار"، حقيقة مرّة بأن غزة – رغم الحصار والموت – لا تزال تقاوم، وتفعل ذلك بذكاء وشجاعة وتنوع يُربك الحسابات.