تحت الشمس الحارقة التي تعلو سماء غزة، كان الأطفال والنساء والشيوخ ينتظرون بلهفة وصول شاحنة مساعدات تحمل رمقًا جديدًا للحياة، وسط معاناة متفاقمة تحت وطأة الحصار الخانق. كان الوقوف في هذا الطابور الطويل مرادفًا للأمل في الحصول على القليل من الغذاء، الذي صار نادرًا كالكبرياء في زمن القهر.
لكن الأمل تحوّل إلى كابوس. فجأة، هزّ انفجار المكان، وعمّت الفوضى صرخات الألم والخوف.الاحتلال يطلق النار من كل صوب؛ والمواطن الأعزل لا يدري من أي اتجاه يأتي الموت .
إنه فخ من التواطؤ بين الاحتلال وأصحاب المساعدات الأمريكية؛ ينصبونه كل يوم بعد أشهر من التجويع.
دماء اختلطت بالغبار، لأشخاص لم تكن لديهم وسيلة سوى المغامرة من أجل الحصول على بضعة أرطال من الطحين.
الأشلاء تناثرت لتعيد تشكيل هذا المشهد المأساوي. كان الحلم بكسرة خبز قد تلاشى، وحلّ مكانه الموت الذي لم يُفرّق بين صغير وكبير. ما لا يقل عن 50 شهيدًا وأكثر من 200 جريح سقطوا برصاص الاحتلال أثناء محاولتهم الوصول إلى مركز توزيع مساعدات في خانيونس، وفقًا لما أكّدته وزارة الصحة الفلسطينية.
كان هذا الهجوم حلقة جديدة من مسلسل المجازر التي تكرّرت على مدار الأسابيع الماضية، إذ تشير الإحصائيات إلى استشهاد أكثر من 300 فلسطيني وإصابة 2600 آخرين منذ منتصف مايو بسبب ما وصفته الأمم المتحدة بـ"الآلية القاتلة لتوزيع المساعدات".
المشهد اليوم لا يتوقف عند استشهاد المجوّعين، بل يمتد إلى استهداف كرامتهم وحقهم في الحياة. نساء يحملن أطفالهن الملطخين بالدماء، وكأنهن يحاولن حماية ما تبقى من الإنسانية. أطفال يبحثون عن آبائهم بين الجثث، ووجوه تائهة بين الصدمة والخوف.
على الصعيد الدولي، خرجت أصوات تطالب بالعدالة. المفوض السامي لحقوق الإنسان وصف الوضع في غزة بـ"الجريمة الأخلاقية الكبرى"، داعيًا إلى إنهاء هذه الممارسات فورًا. المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان حثّ المجتمع الدولي على اتخاذ خطوات فعلية، تبدأ من فرض عقوبات اقتصادية وعسكرية على الاحتلال، إلى إنشاء ممرات إنسانية آمنة بإشراف الأمم المتحدة.
ورغم كل هذا، يبقى الرد الدولي دون المستوى المطلوب. الأمم المتحدة، التي يُفترض أنها صوت العدالة، تبدو عاجزة عن توفير الحماية للمدنيين، وكأن العدالة في غزة أصبحت خيارًا مؤجلًا في قائمة الأولويات العالمية.
هنا، حيث تحول خبز الحياة إلى أفخاخ موت، يصرخ الغزيون بصوت يرفض الخنوع: "لسنا مجرد أرقام على قوائم الموت، نحن أحياء نستحق الحياة."
إن ما حدث اليوم في خانيونس ليس مجرد استهداف للمساعدات، بل هو إعلان حرب على الكرامة الإنسانية. غزة، التي تشهد كل يوم جريمة جديدة، تقف شاهدة على تواطؤ الصمت الدولي. لكن وسط كل هذا، يبقى الأمل في أن تصبح هذه الصرخات قوة تحرك الضمائر، لتعيد الحياة لمدينة لم تعرف يومًا غير الألم.