غزة في قبضة الجوع والحصار

غزة - خاص الرسالة نت

على قارعة الطريق في ساحة ميدان فلسطين، تفترش أمٌّ شابة الأرض ببضعة قمصان صغيرة وبيجامات قديمة، ليست للبيع مقابل المال، بل مقابل "كيس طحين"، تأمل أن يُشبع بطون أطفالها الجائعة.

"هدول تياب أولادي... بس بدي أطعمهم، مش قادرة أتحمل بكاهم كل ليلة"، تقول وهي تحبس دموعها وتشيح بوجهها عن المارة.

هذه الأم ليست استثناءً، بل واحدة من آلاف القصص التي تُجسّد المأساة المركبة التي تعيشها غزة منذ اندلاع حرب الإبادة الجماعية.

فالقطاع المحاصر يعيش كارثة إنسانية شاملة، حيث الجوع صار سيد الموقف، والحاجة أذلّت النفوس، وقلبت الموازين.

 جوع جماعي وانهيار معيشي 

بحسب تقارير أممية، فإن أكثر من 2 مليون و400 ألف فلسطيني داخل قطاع غزة، محرومون من الغذاء الكافي، والمياه النظيفة، والمأوى الآمن.

العديد من العائلات تلجأ لمزج الدقيق بالماء والملح لصناعة "مرق كاذب"، بينما تتكدس الطوابير يوميًا أمام نقاط توزيع   المساعدات الأمريكية التي تحولت إلى مصائد موت حيث يقفُ الغزيّون المجوعون كل صباح  في طوابيرَ طويلةٍ عند نقاطِ توزيعِ المساعدات بحثا عن كيس طحين، لكنّ العودة لا تحملُ الطحين، بل الفقدَ والقهر.

وتشير معطيات مؤسسات إنسانية إلى أن نسبة انعدام الأمن الغذائي في غزة وصلت إلى 100%، مع شحّ غير مسبوق في المواد الأساسية، لا سيما الطحين، السكر، والزيت.

 طحين مقابل الكرامة 

"ما في خبز، ما في سكر، نفسي أطعم أولادي ولو بكسرة!" تقول إحدى الأمهات في حديث لـ"الرسالة نت"، قبل أن تضيف بصوت متهدج:
"صرت أبدّل ملابس أولادي وحاجاتي الشخصية بكيلو طحين أو علبة حليب، كرامتي ما عادت تطعمني."

في الأسواق الشعبية، باتت ظاهرة المقايضة مشهدًا مألوفًا:
حذاء مقابل 3 أرغفة خبز
بطانية مقابل علبة فول
هاتف محمول مقابل كيس أرز.

هذه المظاهر ليست فقرًا اعتياديًا، بل تعكس الانهيار الكامل في النظام الاقتصادي والمعيشي بفعل الحصار " الإسرائيلي"  الخانق، واستهداف الاحتلال المتواصل لمراكز التوزيع ومخازن المساعدات.

 الاحتلال يُجَوّع… والعالم يصمت 

لم تكتف آلة الاحتلال بقصف البيوت والمدارس والمستشفيات، بل اتخذت من الجوع سلاحًا إضافيًا لتركيع السكان، في خرق صارخ للقانون الدولي الذي يُجرّم استخدام الحصار لتجويع المدنيين.

وقد وثّقت منظمات حقوقية استهداف طوابير المساعدات ومراكز الإيواء عشرات المرات، مما أدى إلى ارتقاء مئات الضحايا، غالبيتهم من النساء والأطفال وكبار السن، في مشاهد تُعيد إلى الأذهان المجاعات التي عصفت بمناطق الحروب الكبرى في القرن الماضي.

 نداءٌ أخير من تحت الركام 

في وجه كل هذه الفظائع، لا يزال الصوت الإنساني في غزة يصرخ رغم الانكسار:
"نريد أن نعيش… نريد أن نُطعم أطفالنا فقط!"

صرخة هذه الأم، التي باعت ثياب أطفالها مقابل الطحين، ليست مجرد حالة فردية، بل مرآة لواقع شعب محاصر ومجوّع ومهجّر، يتجرّع الألم بصمت، وينتظر أن يتحرك العالم… أو أن يصحو ضميره.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير