ما إن نجحت العشائر الفلسطينية في قطاع غزّة بتأمين دخول المساعدات الإنسانية وبدء توزيعها مباشرة على المحتاجين، دون وقوعها في أيدي اللصوص أو سماسرة الحروب، حتى سارعت "إسرائيل" إلى اتهام حركة "حماس" بالسيطرة على تلك المعونات وقررت وقف دخولها، في محاولة مكشوفة لتبرير استمرار الحصار وتجويع أكثر من مليوني فلسطيني محاصرين منذ قرابة عامين.
اللافت في الأمر، المهلة التي منحها مجرم الحرب الإرهابي بنيامين نتنياهو ووزير حربه إسرائيل كاتس: 48 ساعة فقط لتقديم خطة تمنع سيطرة "حماس" على المساعدات، وكأن المسألة تتعلق بعملية عسكرية استراتيجية، لا بمواد غذائية وطبية تفتقر إليها المستشفيات والمخابز ومخيمات النازحين.
لكن الحقيقة التي تحاول "إسرائيل" طمسها، أن نجاح العشائر الفلسطينية في إيصال المساعدات إلى المخازن دون تعرّضها للنهب أو السطو شكّل صدمة مدوية للمنظومة الأمنية "الإسرائيلية"، التي طالما استخدمت فزاعة "حماس تسيطر على المساعدات" لتبرير الحصار والتحكم بالمعابر ومنع إدخال المواد الأساسية.
وقد نجحت العشائر، يوم أمس، في تأمين وصول شاحنات محمّلة بالمساعدات الإنسانية إلى مخازن برنامج الأغذية العالمي بمدينة غزة، خشية تعرّضها للنهب.
وقال رئيس الهيئة العليا لشؤون العشائر في غزّة، حسني المغني، إنّ عملية التأمين تأتي "من أجل ضمان توزيعها على الفلسطينيين بالتساوي، كخطوة للقضاء على المجاعة" التي تسبب بها الحصار "الإسرائيلي" المشدّد منذ مارس الماضي.
*حصار مشدد للمعابر*
منذ السابع من أكتوبر 2023، شدّدت "إسرائيل" حصارها على قطاع غزة إلى مستوى غير مسبوق، عبر إغلاق كافة المعابر التجارية والإنسانية، بما في ذلك معبر كرم أبو سالم – الشريان الرئيسي لإدخال الغذاء والدواء والوقود – وكذلك معبر رفح الحدودي الذي ظلّ مغلقًا بشكل شبه كامل منذ مايو الماضي.
ويعيش سكان القطاع، البالغ عددهم أكثر من 2.3 مليون نسمة، في ظروف كارثية، حيث تعاني المستشفيات من نفاد الأدوية والوقود، وتواجه المخابز نقصًا حادًا في الطحين، بينما تنهار شبكات المياه والصرف الصحي تحت وطأة الحصار المستمر.
ولم تُدخل سوى كميات محدودة من المساعدات بشكل متقطع، إما عبر نقاط إنزال عشوائية وخطرة من الجو، أو عبر معبر كرم أبو سالم في فترات نادرة.
وتؤكد الأمم المتحدة أن ما يدخل إلى غزة لا يغطي سوى جزء ضئيل جدًا من الاحتياجات اليومية.
وفي بيان وصل "الرسالة نت"، كذّبت الهيئة العليا للعشائر ادّعاءات مجرم الحرب نتنياهو وحكومة الاحتلال، مؤكدة أن جميع المساعدات مؤمّنة بالكامل وتحت إشرافها المباشر، ويتم توزيعها حصريًا عبر الهيئات الدولية.
ودعت الهيئة مجلس الأمن الدولي لإرسال وفد فوري وعاجل إلى غزّة لمعاينة آلية توزيع المساعدات ميدانيًا والتحقّق من نزاهتها وشفافيتها.
وأكدت الهيئة أن ما دخل إلى قطاع غزة من مساعدات لا يعدو كونه "قطرة في بحر" من احتياجات أكثر من مليوني إنسان، بينهم أطفال ونساء ومرضى وشيوخ، يعانون الجوع والفاقة.
كما فنّد المكتب الإعلامي الحكومي بغزّة مزاعم الاحتلال بشأن سيطرة الحكومة أو حركة "حماس" على المساعدات، مؤكدًا أن هذه الادعاءات عارية عن الصحة، وتأتي في سياق محاولة مكشوفة لتبرير استمرار الحصار، وإغلاق المعابر لليوم الـ118 على التوالي.
وكان برنامج الأغذية العالمي قد أعلن عبر منصة "إكس" أنه، ومنذ 19 مايو الماضي، لم يتمكّن من إرسال سوى 9 آلاف طن متري من الغذاء إلى غزّة، وهي كمية لا تكفي ليوم واحد لجميع السكان لأكثر من أربعة أسابيع.
وفي 11 أغسطس 2024، نقلت صحيفة "هآرتس" العبرية عن مصادر في منظمات إغاثة دولية عاملة بغزّة – لم تسمّها – قولها إن "الجيش الإسرائيلي يسمح لمسلحين بنهب شاحنات المساعدات، وابتزاز أموال حماية من سائقيها".
وأكدت الصحيفة أن "عمليات النهب ممنهجة، ويغضّ الجيش الطرف عنها، وبما أن منظمات الإغاثة ترفض دفع أموال الحماية، فغالبًا ما تنتهي المساعدات في مستودعات تابعة للجيش".
*خدعة "السيطرة"*
في كل مرة يقترب فيها ملف المساعدات من الانفراج، تعيد "إسرائيل" تكرار سرديتها المعهودة: "نخشى أن تقع في أيدي حماس"، حتى وإن كانت هذه المساعدات مجرّد أكياس طحين، وحليب أطفال، وخيام ممزقة.
ولم يعد خافيًا أن هذه الذريعة لم تعد تقنع حتى حلفاء "إسرائيل" في واشنطن والعواصم الغربية، لكنها لا تزال تُستخدم كورقة لتجويع الناس وكسر بيئة المقاومة عبر سلاح الحصار.
فشل مزدوج:
"إسرائيل" التي عجزت عن كسر المقاومة عسكريًا، فشلت أيضًا في منع ولادة نماذج محلية جديدة للتنظيم المجتمعي، كما حصل مع دور العشائر.
ورغم أن هذه الخطوة أثارت ارتياحًا شعبيًا في غزّة، إلا أنها أقلقت حكومة الاحتلال، التي لم تتحرك عندما كانت المساعدات تُنهب وتُباع في السوق السوداء، ولم تُمهل أحدًا 48 ساعة حينها. لكنها تحركت فقط حين وصلت المعونات إلى الناس مباشرة، دون وسطاء، ودون إذن من الاحتلال.
وهكذا، لا تُوظف ذريعة "سيطرة حماس" كحقيقة أمنية، بل ككذبة سياسية تُبرّر بها "إسرائيل" خنق غزّة، ومنع أي محاولة لكسر الحصار، حتى لو جاءت من داخل المجتمع الفلسطيني نفسه، عبر عشائر ومبادرات إنسانية.
ليست "السيطرة" ما يُقلق "إسرائيل"، بل كسر الحصار من أي جهة، وبأي وسيلة.
فبقاء غزة تحت الحصار هو جزء من المعركة الاستراتيجية التي تخوضها ضد شعب قرّر أن يقاوم حتى آخر رمق… وحتى آخر رغيف خبز.