في قلب غزة، بين أزقتها التي أنهكها الحصار، وبيوتها التي تعاند القصف، رحل بالأمس رجلٌ صنع الكثير بصمتٍ، وترك إرثاً لا يُنسى. اسمه حكم العيسى، أو كما عُرف بين رفاقه وأعدائه بـ"أبو عمر السوري"، المهندس الذي أبدع في بناء المقاومة ونسج خيوطها بعيداً عن الأضواء.
منذ نشأته، لم يكن حكم كغيره من الرجال. حمل فلسطين في قلبه أينما حلّ وارتحل، من الكويت إلى سوريا ولبنان، وحتى أفغانستان، حيث خاض معارك جعلته مدرسةً في القتال والإبداع العسكري. هذه الرحلة لم تكن مجرد تجوالٍ، بل مسيرة إعدادٍ لرجلٍ اختار أن تكون حياته وقفاً للمقاومة.
حين وطأت قدماه أرض غزة عام 2005، كان يعلم أن هذه الأرض تحتاج أكثر من مجرد مقاتلين، كانت بحاجة إلى عقولٍ تخطط وقلوبٍ تزرع الأمل. بيده الثابتة وعقله المتوقد، وضع حكم اللبنات الأولى لنظام تدريبٍ عسكري متكامل، خرّج أجيالاً من المقاومين، وجهز القوات النخبوية التي أصبحت مفخرةً لفلسطين.
حكم العيسى لم يكن فقط قائدًا عسكرياً، بل كان رمزاً للهدوء والتواضع. عاش كأي إنسانٍ عادي، يمشي بين الناس دون أن يلفت الأنظار. لكن خلف تلك البساطة، كان هناك عقلٌ يعمل ليل نهار، يضع الخطط، ويبني المؤسسات، وينقل خبراته لتصبح غزة قلعةً تتحدى الاحتلال.
عرف حكم أن الطريق الذي اختاره محفوفٌ بالمخاطر، لكنه مضى فيه بإيمانٍ راسخ. كان يدرك أن نهايته قد تأتي في أي لحظة، لكنه لم يتراجع. كان يقول دائمًا لمن حوله: "المقاومة ليست خياراً، بل واجبٌ على كل من يؤمن بالحرية."
في يوم الجمعة، 27 يونيو 2025، وبينما كان يحتضن حفيده في منزله بحي الصبرة، باغتته غارةٌ إسرائيليةٌ غادرة. استشهد حكم العيسى وزوجته وحفيده، لكن روحه لم تغب. بقيت بصماته حاضرةً في كل ركنٍ من أركان غزة، وفي كل قلبٍ ينبض بحب الوطن.
"حكاية المقاوم الصامت" ليست مجرد قصةٍ تُروى، بل هي شهادةٌ على أن الأبطال الحقيقيين يعملون بصمتٍ، تاركين وراءهم إرثاً يكتب التاريخ. وداعاً يا حكم العيسى، أيها المهندس الذي بنى المقاومة بيدٍ واحتضن حلم التحرير بقلبه. لروحك السلام، ولذكراك الخلود.