شهدت جبهات القتال في قطاع غزة، وتحديدًا في منطقتي خان يونس والشجاعية، تصعيدًا ميدانيًا جديدًا تَكَبَّدَ فيه جيش الاحتلال الإسرائيلي خسائر بشرية فادحة، في وقت تواصل فيه المقاومة الفلسطينية عملياتها المنظمة ضد التوغلات البرية.
ففي صباح الجمعة، أعلنت مصادر عبرية عن مقتل جنديين من لواء "جولاني"، وإصابة عدد من الجنود، بعضهم بجراح وُصِفت بالخطرة، جراء استهداف دبابة إسرائيلية بصاروخ مضاد للدروع في مدينة خان يونس، جنوب القطاع.
وبحسب مراسل إذاعة الجيش الإسرائيلي، فإن الهجوم وقع عند الساعة الثامنة صباحًا، عندما أطلق مقاوم فلسطيني قذيفة مضادة للدروع نحو دبابة من الكتيبة 53، ما أدى إلى مقتل الرقيب آساف زامير، وإصابة ثلاثة من زملائه بجراح، اثنان منهم بحالة حرجة.
وفي تفاصيل الحادثة، أوضح التحقيق الأولي أن المسلح خرج من أحد الأزقة القريبة، وتمكن من إطلاق القذيفة في لحظة مباغتة، رغم رصد الطاقم له، لكن الانفجار وقع قبل أن يتمكنوا من التعامل معه. وأثناء عمليات الإخلاء، تعرّضت دبابة أخرى لانفجار إضافي - يُرجّح أنه ناجم عن عبوة ناسفة - ما أدى إلى إصابة قائد سرية كان بداخلها.
عملية الإخلاء استغرقت نحو خمس ساعات، وسط تغطية جوية وبرية كثيفة، ما يدل على حجم الارتباك الذي أصاب الجيش في الميدان. وأقرّ وزير الجيش الإسرائيلي بصعوبة هذا اليوم، ناعيًا كلا من الجنديين يائير إلياهو وآساف زامير، معترفًا بالثمن الباهظ الذي يدفعه الجيش في المعركة المستمرة.
وفي سياق متصل، أعلن جيش الاحتلال في وقت لاحق عن مقتل جندي آخر في معارك شمالي القطاع، دون توضيح طبيعة العملية أو مكانها بالتحديد، ما يرفع عدد قتلى الجيش في غضون ساعات قليلة إلى ثلاثة.
عمليات مركبة للمقاومة
في المقابل، واصلت فصائل المقاومة الفلسطينية – وعلى رأسها كتائب القسام وسرايا القدس – تنفيذ عمليات مركزة ضد قوات الاحتلال المتوغلة، مستهدفة الآليات والمدرعات العسكرية.
فقد أعلنت كتائب الشهيد عز الدين القسام عن استهداف دبابة "ميركافا" بصاروخ موجه شرق حي التفاح بمدينة غزة، إضافة إلى قصف موقع قيادة وسيطرة شرق الحي بعدد من قذائف الهاون.
وفي تطور لافت، بثّت قناة الجزيرة مشاهد حصرية لكمين مركب نفذته سرايا القدس – الذراع العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي – ضد قوات الاحتلال في منطقة الشجاعية. وقد نقلت القناة شهادة ميدانية من قائد عملية الشجاعية، جاء فيها: "استهدفنا نحو 40 جنديًا وضابطًا وأوقعناهم بين قتيل وجريح. رأينا جثثًا متفحمة، وجنود الاحتلال كانوا يصرخون ويهربون بلا قيادة، بعدما فقدوا زمام المبادرة تمامًا".
وأكد القائد أن الكمين تم تنفيذه بتخطيط دقيق وتنسيق مسبق يتوافق مع طبيعة مسرح العمليات، وأوضح أن العملية تمت في مربع الهدى، حيث نجحت وحدات المقاومة في إحكام السيطرة النارية على تحركات الجيش وآلياته المتوغلة هناك.
سياق حرب طويلة
وتأتي هذه التطورات في سياق استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، الذي استأنفته تل أبيب في 18 مارس 2025، بعد خرقها اتفاق تهدئة استمر 58 يومًا، كانت قد توصلت إليه برعاية قطرية ومصرية وبدعم أمريكي. ومنذ السابع من أكتوبر 2023، ارتكب الاحتلال مجازر متتالية وصفتها جهات دولية ومؤسسات حقوقية بـ"جرائم إبادة جماعية"، رغم أوامر صريحة من محكمة العدل الدولية بوقف الحرب فورًا.
وبحسب آخر الإحصاءات، فإن الحرب خلّفت ما يزيد عن 189 ألف شهيد وجريح فلسطيني، غالبيتهم من النساء والأطفال، وأكثر من 11 ألف مفقود تحت الأنقاض، إلى جانب مجاعة كارثية تهدد حياة السكان المحاصرين.
الخسائر البشرية الأخيرة في صفوف جيش الاحتلال، والكمائن النوعية التي تنفذها فصائل المقاومة، تعكس تحوّلًا في ميزان المبادرة الميدانية، وتؤكد فشل "إسرائيل" في تحقيق أي إنجاز استراتيجي رغم مرور أكثر من 600 يوم على اندلاع الحرب.
وفي ظل تعاظم الكلفة العسكرية والبشرية، تتزايد الدعوات – حتى من داخل الأوساط الإسرائيلية – لإعادة تقييم أهداف الحرب التي باتت تبدو، يومًا بعد آخر، أقرب إلى المستنقع.