"ردّ حماس".. مزيج من الثبات على مطالب شعبنا والمرونة السياسية 

غزة - خاص الرسالة نت

في مشهد يعكس قدرًا عاليًا من النضج السياسي والمرونة المقاومة، أعلنت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" مساء الجمعة، تقديم ردّها الإيجابي على الورقة المقترحة من الوسطاء بشأن إطار وقف إطلاق النار في قطاع غزة. 
وجاء هذا الإعلان بعد مشاورات واسعة داخلية وخارجية، مع الفصائل والقوى الفلسطينية، في لحظة فارقة من عمر العدوان المتواصل على الشعب الفلسطيني منذ نحو 21 شهرا.

في التصريح الرسمي الصادر عن الحركة، أكّدت "حماس" أن موقفها الإيجابي نابع من إدراك عميق لتعقيدات المرحلة الراهنة، وحرص صادق على مصلحة الشعب الفلسطيني الذي يرزح تحت عدوان إسرائيلي متواصل، وظروف إنسانية قاسية.
وجاء في البيان: "الحركة جاهزة بكل جدية للدخول فورًا في جولة مفاوضات حول آلية تنفيذ هذا الإطار، بما يحقق تطلعات شعبنا وحقوقه الوطنية".

وبحسب محللين ونشطاء، فإن الردّ جاء محكمًا ومتوازنًا؛ إذ لم يُفرّط بالثوابت، ولم يُدر بمنطق العناد، بل استند إلى قاعدة حسابات دقيقة تراعي الميدان والسياسة في آنٍ معًا.

وفي تعليقه على هذا الموقف، كتب الإعلامي العراقي عامر الكبيسي عبر حسابه الرسمي: "إنها المفاوضات الأقوى والأشرس، وتحتاج إلى توفيق رباني، وعلم حقيقي بفن التفاوض... لم ينجب العرب مفاوضين أعمق وأفهم وأشرس من مفاوضي القطاع."
وأشار الكبيسي إلى أن الوفد الفلسطيني المفاوض يتمسك بشروط واضحة، أهمها الانسحاب الكامل، وعودة الأمم المتحدة لتوزيع المساعدات، ووقف الهجمات نهائيًا.
وأضاف: "أنا أكثر انبهارًا بروح وذكاء وقوة هؤلاء المفاوضين… الذين يصنعون التاريخ بهدوء ووعي وكرامة."

 تفاوض بلا انكسار

أما الكاتبة السياسية سمية عبد الرحمن، فوصفت رد "حماس" بـ"القوي المتماسك"، مؤكدة أن الحركة تفاوض من موقع صلب، رغم الكارثة الإنسانية التي يمر بها القطاع.
وكتبت: "حماس ليست مكابرة بشأن الوضع الداخلي، لكنها ثابتة، تفاوض على الانسحاب والمساعدات، وليس كما يتوهم البعض أنها ستسلّم السلاح أو تتنازل عن حقوق شعبها."

من جانبه، اعتبر الكاتب محمد العيلة أن التعديلات التي اقترحتها الحركة على الورقة "ليست جوهرية، لكنها ضرورية"، مشيرًا إلى أنها تهدف لضمان عدم تأبيد الحصار، وتأمين علاج الجرحى، وعودة السكان إلى بيوتهم، وتوفير الحد الأدنى من الحياة.
وأضاف: "نحن أمام ورقة إطار لا اتفاق نهائي، والتطورات السياسية القادمة – خصوصًا لقاء ترامب ونتنياهو – قد تكون حاسمة في رسم الملامح القادمة."

أما الناشط أبو أحمد سمور، فقد لخّص نبض الشارع الفلسطيني بلغة عامية مباشرة، فقال:
"الموضوع مش وافق ووقع وخلاص… بنفاوض ناس غدارين وخبثاء، ولازم نكون أذكى منهم، ونراجع كل حرف بالبند قبل ما نوافق عليه."
وشدّد على ضرورة أن تُبنى المفاوضات على تجارب الماضي، لا سيما ما جرى في الاتفاقات السابقة، التي كثيرًا ما التفّ عليها الاحتلال بعد توقيعها.

ويرى مراقبون أن ردّ "حماس" لم يكن تراجعًا عن نهج المقاومة، بل خطوة محسوبة تُراعي توازن الميدان والسياسة، وتُثبت أن الحركة ما زالت على تماس مباشر مع نبض الشارع، وتُفاوض من موقع من يقاتل، لا من يستجدي وقف النار.

هذا الردّ – بكل ملامحه – يُعد رسالة للداخل والخارج، بأن الشعب الفلسطيني، وإن كان ينزف، إلا أنه يملك إرادة الصمود، ويملك من يقوده بعقل واعٍ وقرار سياديّ، لا يُملى عليه ولا يُستدرج إلى أفخاخ السياسة.