الكمين الذي كسر القواعد

كيف أعادت القسام تعريف "نقطة الصفر"؟

غزة - خاص الرسالة نت

نشرت كتائب القسام، الذراع العسكرية لحركة "حماس"، عبر سلسلة "حجارة داود"، يوم أمس السبت، مشاهد لكمينين منسقين بدقة داخل خان يونس جنوب قطاع غزة، استهدفت خلالهما آليات لجيش الاحتلال.
المشاهد التي بثتها الكتائب لم تكتفِ بعرض تفاصيل الخطة العملياتية للانقضاض من نقطة صفر، بل كشفت عن تطابق شبه تام بين الخطط المسبقة وتحركات المقاتلين ورصدهم لتحركات جيش الاحتلال، في تجاوز لافت لنِسب التخطيط التقليدية المتعارف عليها في الحروب البرية، حتى خلال معركة "طوفان الأقصى".
ففي مشهد درامي لا يحدث إلا على أرض غزة التي جعلت من رمالها مقبرة للغزاة والمحتلين، نفذ مقاتلو القسام هجومًا اشتمل على تفجير آلية مدرعة من نوع "ميركافاه" وناقلة جند، تبعها اشتباك مباشر من مسافة صفر.
ما يلفت الانتباه هو امتلاك القسام لمعلومات تفصيلية عن تحرك سرية تابعة لجيش الاحتلال، وهو ما اعترف به الإعلام العبري نقلاً عن ضباط في الجيش، ليعكس الهجوم من نقطة صفر انسجامًا ميدانيًا دقيقًا، ويؤكد بلا شك قدرة استخبارية عالية توظفها المقاومة في ساحة القتال.
وبحسب معطيات الجيش (الإسرائيلي) فإنه منذ بداية العدوان على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، قُتل 883 عسكرياً بينهم 439 بالمعارك البرية في قطاع غزة التي بدأت في 27 من الشهر نفسه.
وتشير المعطيات إلى إصابة 6032 عسكرياً بينهم 2745 بالمعارك البرية في قطاع غزة، فيما تتكتم (إسرائيل) على معظم خسائرها البشرية والمادية، وتمنع التصوير وتداول الصور والمقاطع المصورة، وتحظر الإدلاء بمعلومات لوسائل إعلامية بشأن الخسائر، إلا عبر جهات تخضع لرقابتها المشددة.
تخطيط محكم وتنفيذ متزامن!
الباحث في الشأن العسكري والأمني، رامي أبو زبيدة، يرى أن المشهد القتالي الذي بثّته الكتائب يوثق بجرأة وكفاءة عملية نوعية في قلب مدينة خان يونس، استهدفت جنودًا وآليات من مسافة قريبة جدًا.
ويشير أبو زبيدة في حديث لـ"الرسالة" إلى أن هذه العملية النوعية لا يمكن وصفها إلا بأنها "مدرسة عسكرية مكتملة الأركان"، نفذتها نخبة مدربة من المقاومين، في منطقة عسكرية مشتعلة ومحاطة بكافة تقنيات جيش الاحتلال.
وأكد أن اقتراب المقاتلين من الهدف بهذه الجسارة يبرهن على امتلاكهم الجرأة الميدانية والجهوزية النفسية للمواجهة المباشرة مع قوة مدججة ومتفوقة تقنيًا. كما نُفّذت العملية في منطقة مصنفة "مُسيطر عليها ناريًا" من الاحتلال، ما يضفي على الحدث بعدًا فدائيًا عالي المستوى.
كما أوضح أن تنسيق المقاتلين وتوقيت الانتشار يدل على أن الهجوم لم يكن عشوائيًا، بل خضع لمعلومات استخبارية دقيقة، وتخطيط محكم، وتنفيذ متزامن.
وبيّن أن استخدام 3 كاميرات لتوثيق العملية يدل على وجود "غرفة قيادة وسيطرة" متقدمة تُدير الهجمات وتُسجلها لأغراض التقييم العملياتي والدعائي، ما يربك حسابات الجيش (الإسرائيلي).
ورغم تفوق الاحتلال عسكريًا من حيث الطائرات المُسيّرة وأجهزة الرصد، فإن مقاتلي القسام تمكّنوا من زرع عبوات "شواظ" وتفجير الآليات من نقطة صفر، دون أن يُكشف أمرهم، وفق الباحث.
وأضاف: "قدرة المقاتلين على الوصول لنقاط تمركز الجيش والانسحاب منها، يعكس خبرتهم في التخفي، وقدرتهم الميدانية، ومعرفتهم الطوبوغرافية الدقيقة بساحة المعركة".
فعالية القيادة والسيطرة!
كشف ضابط كبير في جيش الاحتلال للقناة 11 العبرية، أن مقاتلي القسام باتوا أكثر جرأة وشراسة خلال الأسبوعين الأخيرين، ويهاجمون الجيش مباشرة بعد رصد تحركاته، مستخدمين عبوات وصواريخ ورشاشات، في معركة يعتبرونها "حياة أو موت".
الخبير العسكري اللواء فايز الدويري، علّق بأن تنفيذ القسام لخططه العسكرية بدقة تبلغ 99%، يتجاوز النسب العالمية المعتادة (والتي تبدأ من 70%)، ويعكس كفاءة عالية لمنظومة القيادة والسيطرة لدى المقاومة.
وأكد الدويري أن طريقة التنفيذ نفسها غير مسبوقة في أي حرب، ويجب أن تُدرّس في الكليات العسكرية، وخصوصًا للقوات الخاصة المعنية بالمهام المعقدة.
ونوّه إلى أن تقدم مقاتلي القسام نحو دبابة "ميركافاه" من النقطة العمياء، وهم يحملون عبوة شواظ يزيد وزنها عن 20 كغم، يُعدّ مخاطرة بالغة، لكنه يكشف استغلال المقاومة لنقاط ضعف الآلية المتقدمة، وثغرات رؤية آمرها.
ووفق الدويري، فإن التقدم نحو دبابة من هذه الزاوية، وتنفيذ العملية في أقل من 10 ثوانٍ، يتطلب سرعة، ودقة، وبيئة ميدانية مهيأة بعناية.
رغم الإمكانات المحدودة، تُواصل فصائل المقاومة إلحاق خسائر مباشرة بقوات الاحتلال عبر عبوات "شواظ" التي تصل قدرتها للاختراق حتى 65 سم، وسرايا القدس التي تستخدم عبوة "ثاقب"، إضافة إلى العبوات اللاصقة وعبوات النسف.
وفي مقال بصحيفة "يديعوت أحرونوت"، أقرّ ضابط الاستخبارات السابق مايكل ميلشتاين أن "حماس لا تزال متماسكة وتُمسك بزمام غزة رغم العمليات العسكرية المكثفة".