في فجر الأحد، تدفّق عشرات الآلاف من الفلسطينيين نحو معبر "زكيم" شمال قطاع غزة، على أمل الحصول على كيس طحين يسدّ رمقهم، في ظل حصار خانق وتجويع ممنهج دخل شهره الخامس.
كان المشهد مهيبًا: أكثر من 300 ألف شخص من رجال ونساء وأطفال توافدوا، يحملون خوفهم وجوعهم، أملاً في الحصول على كيس دقيق يُنقذ عائلاتهم من الهلاك.
لكن مع حلول الساعة التاسعة والنصف صباحًا، تحوّل الأمل إلى رعب. فما إن اقتربت أولى شاحنات المساعدات من نقطة التوزيع، حتى أمطرت قوات الاحتلال الإسرائيلي الحشود بوابل من الرصاص الحي، وقذائف الدبابات، واستهدافات مباشرة من طائرات الاستطلاع.
"كنا نحمل رايات بيضاء.. فقتلونا"
رزق سامي، أحد الناجين من المجزرة، وصف اللحظات الدامية لـ"الرسالة":
"كنت هناك منذ الفجر. لا سلاح في أيدينا، فقط بطاقات هوية وقلوب جائعة. فجأة بدأ إطلاق النار على من اقترب من الشاحنات. القناصة كانوا يستهدفون الرؤوس والصدور. رأيت فتى يرفع راية بيضاء ويقترب من كيس طحين، فتم قنصه فورًا".
يتابع: "حوصر قرابة ألفي شخص في منطقة قريبة من الجيش. وكل من حاول الانسحاب أو الهروب من تلك المنطقة، أُطلق عليه النار في مؤخرة الرأس. كان الاحتلال لا يريد حتى عودتهم إلى منازلهم".
استمر الحصار أكثر من أربع ساعات، خلالها انسحب من استطاع، واستُشهد العشرات أثناء محاولة الانسحاب. ثم تقدمت وحدة راجلة من جيش الاحتلال واعتقلت عددًا من المواطنين، وأعدمت عددًا آخر ميدانيًا. وفي تمام الساعة الثانية عشرة ظهرًا، أقدمت جرافة تابعة للاحتلال على دفن عدد من الشهداء قرب موقع الحصار.
وأضاف رزق: "المجزرة كانت متعمدة. عند الساعة الثانية، زعم الجيش فتح ممر آمن لمدة خمس دقائق، فبدأ الناس بالانسحاب، لكن الرصاص حصد العشرات مجددًا. كانت خديعة للمزيد من القتل".
ويتابع: "لم يكن هناك إسعاف. كنا نحمل المصابين والشهداء على الأكتاف ونمشي خمسة كيلومترات للوصول إلى نقاط طبية بدائية. كان القميص الذي أرتديه مثقوبًا برصاصتين، ولم أشعر بهما من شدة الخوف".
ويروي أن فتى يبلغ نحو 17 عامًا، رفع راية بيضاء واقترب من كيس طحين ملقى بجانب جسد شهيد، في محاولة لتأمين الطعام لعائلته، لكن القناص أطلق عليه رصاصة في الرأس، فسقط شهيدًا هو الآخر.
وفي مشهد آخر، أُصيب أحدهم في ساقه وبدأ ينزف وسط الشارع، فهرع قريب له لإنقاذه. تمكن من الوصول إليه، لكن رصاصة أخرى أردت الاثنين، وظلا ينزفان لساعات دون أن يجرؤ أحد على الاقتراب.
ووفق رزق، جلس أب في أحد الزوايا يرافق ابنه البالغ من العمر 14 عامًا، وكان قد أحضره ليساعده في جلب كيس طحين. لكن الجوع أنهك الطفل حتى فقد وعيه وسقط أرضًا. صرخ الأب: "ابني بموت من الجوع، أمانة ساعدوني!". حاول شاب المرور لإحضار الماء، لكن رصاصة قناص أصابته في صدره وأنهت حياته وهو في منتصف الطريق.
مجزرة الماء
لم تتوقف المأساة عند الطحين فقط، بل كان طلب شربة ماء سببًا للموت. حينما حاول بعض الشبان الوصول إلى خط مياه على تلّة قريبة، أطلق جيش الاحتلال النار عليهم، وأعدم أكثر من عشرة منهم بدم بارد، وأصاب نحو خمسين آخرين، فقط لأنهم أرادوا شربة ماء.
الاحتلال استخدم كل انواع الاسلحة
بدوره وصف فارس عفانة، مدير الإسعاف والخدمات الطبية، ما جرى في زكيم بـ"المجزرة المروّعة"، التي فاقت في بشاعتها كل ما شهده الطاقم الطبي خلال الأشهر الماضية، مؤكدًا أن الإصابات حملت دلائل على استخدام أسلحة متنوعة، من بينها القنص المباشر، والمدفعية، والطيران الاستطلاعي.
وقال في حديث خاص لـ"الرسالة": "شاهدنا أجسادًا مقطعة. أحد الشهداء وصل بلا رأس، وآخر مبتور اليد والقدم. وهذه إصابات تدل بوضوح على استخدام قذائف المدفعية وطائرات الاستطلاع".
وأكد أن معظم الإصابات نجمت عن أعيرة نارية مباشرة وشظايا صغيرة، وهو ما يشير إلى الاستهداف الدقيق عبر طائرات الاستطلاع الإسرائيلية.
وأضاف أن العدد الكبير من الشهداء والمصابين ناتج جزئيًا عن صعوبة الوصول إلى الموقع، الواقع تحت سيطرة الاحتلال، ما يتطلب تنسيقًا مسبقًا لدخول مركبات الإسعاف.
" الناس كانت تنقل المصابين والشهداء على عربات، أو 'توكتوك'، وحتى على الأكتاف. هذا زاد من خطورة الإصابات، خصوصًا مع وجود كسور قد تتحول إلى بتر بسبب سوء النقل"، أضاف عفانة.
وأشار إلى أن القدرة الاستيعابية لمجمع الشفاء لم تحتمل العدد الكبير من الجرحى ما اضطرهم لتحويل بعض الحالات إلى المستشفى الميداني في السرايا، وكذلك إلى المستشفى المعمداني، مع تعزيز طواقم الإسعاف عبر دعم من وزارة الصحة.
وعن وجود شهداء لم يُنتشلوا بعد، قال: "نعم، لا يزال هناك عدد من المفقودين. بعضهم اعتُقل لساعات ثم أُفرج عنه. كما وصلنا أمس كيس يحتوي على جماجم لخمسة شهداء على الأقل، ويبدو أنهم ظلوا في المكان لفترة طويلة، ومن الصعب التعرّف عليهم".
وختم عفانة: "ما شهدناه بالأمس ليس مجرد قصف.. إنها مجزرة إنسانية مكتملة الأركان"
.
ماحدث مأساة لا يمكن تبريرها
وأعرب برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة عن "قلقه العميق إزاء استهداف المدنيين الفلسطينيين الذين كانوا ينتظرون الحصول على مساعدات غذائية شمال غزة".
وقال البرنامج في منشور على منصة "إكس":
"بعد عبور قافلة لنا مؤلفة من 25 شاحنة آخر نقطة تفتيش إسرائيلية، واجهت الحشود الجائعة نيرانًا من الدبابات والقناصة. ما حدث مأساة لا يمكن تبريرها".
وأكد أن "أي عنف ضد المدنيين الساعين للحصول على الغذاء مرفوض تمامًا"، مضيفًا:
"هؤلاء لم يحملوا سلاحًا، بل جاؤوا فقط للحصول على ما يكفيهم للبقاء على قيد الحياة".
وسلط البيان الضوء على سياسة التجويع التي ينتهجها الاحتلال، مؤكدًا أن "أزمة الجوع بلغت مستويات غير مسبوقة، حيث يعاني واحد من كل ثلاثة أشخاص من انعدام الغذاء لأيام، وأكثر من 90 ألف امرأة وطفل بحاجة إلى علاج عاجل من سوء التغذية".
وأشار إلى أن سعر كيلوجرام الدقيق تجاوز 100 دولار، ما يجعل المساعدات الإنسانية "شريان الحياة الوحيد" لغالبية السكان.
أعلنت وزارة الصحة في غزة أن سياسة التجويع تسببت حتى الآن في استشهاد 86 فلسطينيًا جراء الجوع وسوء التغذية، بينهم 76 طفلًا، في مشهد يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع.
"مجزرة داخل مجزرة"..
لم تكن مشاهد الدم وحدها حاضرة في مجزرة زكيم، بل كانت الوحشية الصامتة التي ارتُكبت أمام عدسات الغياب العالمي.
أجساد على الأرض، صراخ يختنق تحت الرصاص، وأمل قُتل مع كل خطوة نحو كيس طحين أو شربة ماء.
"ما جرى لم يكن حادثًا عشوائيًا.. بل قرارًا مدروسًا بإعدام المجوعين في وضح النهار"، يختم رزق سامي، "نحن لا نموت من الجوع فقط.. نموت لأننا نحاول البقاء على قيد الحياة".
وارتفع عدد شهداء مراكز توزيع المساعدات الإسرائيلية-الأمريكية في قطاع غزة إلى 995 شهيدًا، وأكثر من 6011 إصابة، جميعهم من المدنيين الجوعى الباحثين عن لقمة العيش تحت الحصار والتجويع.