في خطوة تعكس انفتاحًا فلسطينيًا على المساعي الدولية لوقف الحرب على قطاع غزة، سلّمت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" ردّها الرسمي على المقترح الجديد المقدم من الوسطاء الدوليين بشأن وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، في وقت تتصاعد فيه الدعوات الدولية والإقليمية لوضع حدٍ نهائي للعدوان والمأساة الإنسانية المتفاقمة في القطاع.
ورغم إيجابية الرد الفلسطيني، الذي اعتبره مراقبون تقدّمًا ملحوظًا في المواقف، إلا أن (إسرائيل) لا تزال تماطل في التعاطي الجاد مع المسار التفاوضي، ما يهدد بعرقلة التوصل إلى اتفاق نهائي كان من الممكن أن يوقف حمام الدم ويطلق مسارًا إنسانيًا واقعيًا.
وبحسب الكاتب والمحلل السياسي د. إياد القرا، فقد تضمن ردّ "حماس" معالجة ثلاث قضايا مركزية:
1. الانسحاب: الموافقة على انسحاب تدريجي من مناطق محددة سلفًا، مع تحديد المسافات والحدود بدقة في الخرائط، بما يضمن تجنب الخلافات الميدانية.
2. المساعدات الإنسانية: الاتفاق على تنظيم إدخال المساعدات عبر منظمات دولية موثوقة، مع الإصرار على إغلاق شركة "مصائد الموت" المتهمة بخلق بيئة خطرة ومهينة للحصول على الغذاء.
3. استمرار التفاوض: تقديم ضمانات تضمن بقاء العملية التفاوضية مفتوحة لما بعد الستين يومًا، بما يتيح معالجة القضايا العالقة في مراحل لاحقة.
كما أشار القرا إلى أن بعض الجوانب التنفيذية لا تزال قيد البحث، لكن الرد الفلسطيني شكّل "اتفاق إطار" يمهّد الطريق لوضع تفاصيل التنفيذ خلال الأيام المقبلة.
مؤشرات على قبول إسرائيلي مع استمرار التسويف
بدوره، اعتبر المحلل السياسي إبراهيم المدهون أن رد حماس جاء محكومًا بـ"مرونة مدروسة" في الملفات المعقدة، خاصة قضيتي الانسحاب ومفاتيح الأسرى، مقابل تأكيد قوي على أولوية إدخال المساعدات ورفع الحصار، وهو ما يعكس – بحسب المدهون – "حرصًا صادقًا على إنجاح الجهود الدولية، وموقفًا وطنيًا متقدمًا ومسؤولًا".
وأكد المدهون أن الوفد الفلسطيني أجرى التعديلات بالتنسيق مع الوسطاء، في إشارة إلى وجود رغبة فلسطينية حقيقية بالتوصل إلى اتفاق يُنهي المجاعة والدمار، ويوفّر حياة كريمة للفلسطينيين.
وفيما لم تكشف حماس تفاصيل ردها في بيانها المقتضب، الذي نشرته على قناة التيلجرام الناطقة باسمها، اكتفت بالإعلان عن تسليم الرد الرسمي للفصائل الفلسطينية على المقترح الأخير، ما اعتبره محللون "علامة نضج تفاوضي" تتيح للوسطاء مناورات دبلوماسية أكثر فاعلية.
في الجانب الإسرائيلي، نقلت القناة 12 عن مسؤول حكومي أن الرد كان "إيجابيًا خلافًا لرد الثلاثاء"، في إشارة إلى مرونة غير مسبوقة من قبل الحركة. ومع ذلك، لم يعلن مكتب رئيس وزراء الاحتلال ومجرم الحرب بنيامين نتنياهو أي موقف حاسم، مكتفيًا بالقول إن "الرد قيد الدراسة".
وتزامن ذلك مع تحركات دبلوماسية متسارعة، إذ كشفت وسائل إعلام عبرية عن اجتماع مرتقب في جزيرة سردينيا الإيطالية، يجمع بين رئيس الوزراء القطري، والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، ورئيس فريق التفاوض الإسرائيلي رون ديرمر، في محاولة لدفع المحادثات إلى مرحلة الحسم.
لكن، وفي ظل تجارب تفاوضية سابقة، لا يزال الشارع الفلسطيني ينظر بعين الريبة إلى المواقف الإسرائيلية، التي غالبًا ما تتسم بالمراوغة، والتهرب من الاستحقاقات السياسية والإنسانية.
وكتب رجل الأعمال الفلسطيني الأميركي بشارة بحبح على حسابه الشخصي: "أهالي غزة الكرام، قدمت حماس هذا الفجر ردها على المقترح الإسرائيلي حول موضوع إعادة الانتشار وتبادل الأسرى."
وأكد أن "رد حماس كان واقعيًا وإيجابيًا. الآن على إسرائيل الدخول في مفاوضات جدية وسريعة للتوصل إلى وقف إطلاق النار. الكل ينتظر الفرج. أهل غزة عانوا الكثير من القتل والدمار والجوع."
وبذلك تكون الفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، قدمت ما يمكن اعتباره "الحد الأدنى المقبول" لتحقيق تهدئة شاملة وإنسانية في غزة، مع الحفاظ على الحقوق والثوابت الأساسية. الكرة باتت الآن في ملعب حكومة الاحتلال، التي يتعيّن عليها أن تغادر مربع المراوغة، وأن تنخرط بجدية في المفاوضات، إذا كانت بالفعل تبحث عن نهاية للحرب.