في تقرير صدر اليوم الإثنين عن منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية لحقوق الإنسان، كشفت فيه تفاصيل مروّعة حول ما وصفته بـ"الإبادة الجماعية المتواصلة" التي تنفذها (إسرائيل) ضد الفلسطينيين، لا سيّما في قطاع غزة، منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى منتصف العام 2025.
أكد التقرير أن الحملة الإسرائيلية تجاوزت حدود الرد العسكري، لتتحول إلى سياسة مبيتة تهدف إلى تدمير المجتمع الفلسطيني في غزة بشكل منهجي.
فوفقاً للبيانات التي وثقتها المنظمة، استشهد نحو 58,000 فلسطيني – معظمهم من المدنيين – فيما تجاوز عدد الجرحى 138,000، في حين دُمرت غالبية البنية التحتية للقطاع، بما فيها المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء.
أشار التقرير إلى أن (إسرائيل) استخدمت سياسة الإخلاء القسري تحت ذريعة "ممرات إنسانية"، لكنها في الواقع قادت المدنيين إلى مناطق تم قصفها مرارًا.
واستشهد التقرير بمجزرة مروعة في منطقة "المواصي"، التي قصفتها الطائرات الإسرائيلية مرتين خلال دقائق، ما أدى إلى استشهاد 90 شخصًا وجرح أكثر من 300.
التجويع كسلاح.. وأمّهات يرضعن الهواء
رصدت "بتسيلم" الأثر الكارثي لتدمير النظام الصحي في غزة، وحرمان السكان من الغذاء والماء والدواء، وحذر التقرير من المجاعة الحادة التي أودت بحياة الأطفال حديثي الولادة، وحرمت الأمهات من القدرة على الإرضاع.
كما سجل التقرير ارتفاعًا في معدلات الإجهاض بنسبة 300% منذ بداية الحرب، إلى جانب ازدياد غير مسبوق في الولادات المبكرة ونقص الوزن.
بتر دون تخدير.. وجراح بلا دواء
ووثّقت المنظمة أكثر من 4,700 عملية بتر لأطراف المدنيين، من بينهم أكثر من 940 طفلًا. بسبب نقص المواد الطبية، أُجريت العديد من العمليات الجراحية دون تخدير، فيما اضطر الأطباء لاستخدام أدوات بدائية وتطبيب الجرحى خارج المستشفيات، ما فاقم من الإصابات.
ولا يعتمد التقرير فقط على الأرقام، بل يشير بوضوح إلى "النية الإبادية" التي يُعد إثباتها ضروريًا لتوصيف الجريمة وفق القانون الدولي. واستندت "بتسيلم" إلى تصريحات مباشرة من مسؤولين إسرائيليين عسكريين وسياسيين، دعوا فيها إلى "محو غزة" واعتبار كل من فيها "هدفًا عسكريًا".
وأكدت أن هذه الأقوال تجسدت في أفعال من قصف وتدمير وتجويع، وحرمان من العلاج والمأوى.
نقل نموذج "الإبادة" إلى الضفة والقدس والداخل
يحذر التقرير من أن سياسة الإبادة لم تقتصر على غزة، بل بدأت بالتمدد إلى الضفة الغربية والقدس المحتلة وداخل أراضي 48.
فقد وثّقت "بتسيلم" استشهاد أكثر من 900 فلسطيني في الضفة خلال أقل من عامين، إلى جانب عشرات الضحايا في غارات جوية على المخيمات.
كما أُدخلت سياسة "مناطق القتل" إلى تلك المناطق، حيث يُسمح للجنود بإطلاق النار على أي شخص يُشتبه بتحركه.
وحكايات رعب تفوق الخيال
أبرز التقرير الشهادات الحيّة لأطفال ونساء نجوا من المجازر، لكنهم فقدوا أفراد عائلاتهم. إحدى النساء روت كيف دهست دبابة إسرائيلية أبناءها وزوجها أمام عينيها، بينما يروي طفل كيف فقد ساقيه وأصابع يده بعد قصف منزله. 96% من أطفال غزة يعانون من اضطرابات نفسية حادة، وفق دراسة أدرجها التقرير.
وفي ختام التقرير، وجهت "بتسيلم" نداءً إلى المجتمع الدولي، محذّرة من أن استمرار هذه السياسات سيقود إلى إبادة جماعية شاملة للفلسطينيين، ليس فقط في غزة، بل في عموم فلسطين.
ودعت إلى وقف فوري للهجوم، ومحاسبة المسؤولين، وتوفير الحماية الإنسانية للمدنيين، وإنهاء الاحتلال ونظام الفصل العنصري.
تقرير "بتسيلم" لا يُعد فقط وثيقة حقوقية، بل شهادة تاريخية دامغة على أن ما يحدث في غزة، وفق كل المعايير القانونية والأخلاقية والإنسانية، إبادة جماعية يرتكبها كيان محتل تحت أنظار العالم.