في مقال جريء ومؤلم نُشر على موقع "الميادين نت"، أطلق المفكر والأكاديمي المصري البارز الدكتور حسن نافعة دعوةً صريحة إلى العالم لتوثيق ما أسماه بـ"الهولوكوست الفلسطيني"، في إشارة إلى حجم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، لا سيما في قطاع غزة، منذ انطلاق عدوان الاحتلال الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والذي دخل شهره الحادي والعشرين.
يرى نافعة أن أكبر مفارقات هذه المرحلة التاريخية تتمثل في أن الجهة المسؤولة عن ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين هي نفسها التي نصّبت نفسها ناطقًا رسميًا باسم ضحايا الهولوكوست النازي.
وبذلك، حسب وصفه، انتقلت "إسرائيل" طوعًا من موقع الضحية إلى موقع الجلاد، وراحت تستخدم مآسي الماضي غطاءً أخلاقيًا لارتكاب فظائع لا تقل بشاعة عمّا ارتُكب بحق اليهود في الحرب العالمية الثانية.
ويؤكد الكاتب أن ما يجري في غزة يمثل مأساة إنسانية موثقة بالصوت والصورة، تتجاوز كل الأعذار الأخلاقية، بل تشكّل امتدادًا لمخططات ممنهجة كامنة في بنية المشروع الصهيوني منذ تأسيسه، والمبنية على أساطير دينية مثل "شعب الله المختار" و"الأرض الموعودة"، والتي يستند إليها الاحتلال لتبرير التوسع والتهجير والطرد القسري.
الإبادة ليست طارئة.. بل جزء من مشروع
يوضح نافعة أن حرب الإبادة الحالية ليست حدثًا معزولًا، بل هي امتداد لنهج مستمر منذ نكبة عام 1948، حيث أثبت عدد من "المؤرخين الجدد" الإسرائيليين مثل إيلان بابيه وبني موريس وآفي شلايم، أن ما جرى للفلسطينيين في تلك الحقبة كان عملية تطهير عرقي منظّمة شملت تهجير أكثر من 750 ألف فلسطيني قسرًا من قراهم، بعد ارتكاب مجازر جماعية، وهو ما يتكرر اليوم بأدوات أكثر تطورًا ووحشية.
ويشدّد الكاتب على أن المشروع الصهيوني لم يرضَ بالمساحة التي خصصها له قرار التقسيم عام 1947، بل سعى منذ اللحظة الأولى إلى التوسّع الجغرافي، وهو ما تحقق في حروب لاحقة، أبرزها حرب 1967، ويمتد اليوم عبر تدمير غزة وتجويع أهلها.
المجتمع الدولي متواطئ بالصمت
ينقل نافعة صورًا مروعة من غزة: أطفال "خدّج" يموتون في الحاضنات بسبب قطع الكهرباء، رضع يموتون جوعًا، شباب يمضغون أوراق الشجر، وآلاف يُقتلون وهم يتدافعون للحصول على طعام في طوابير الإغاثة. ويتساءل بمرارة: هل يجرؤ أحد من الناجين من معسكرات أوشفيتز أو تريبلينكا أن يدّعي أن حال الغزّيين اليوم أفضل من حال اليهود في تلك المعسكرات؟
ويضيف أن العالم بأسره شاهد هذه الجرائم لحظة بلحظة، إلا أن الاستجابة الدولية بقيت عاجزة، بل إن إسرائيل تحدّت حتى قرار محكمة العدل الدولية الصادر في 28 مارس 2024، والذي طالبها بتقديم مساعدات إنسانية فورية وبلا عوائق. لكن الكيان رفض القرار، بما في ذلك صوت القاضي الإسرائيلي أهارون باراك الذي أيده، وهو ما يشير بوضوح إلى أن إسرائيل ليست فقط متهمة بالإبادة بل تمارسها بشكل معلن.
المقارنة مع الهولوكوست: هل هي متعسفة؟
يرد الكاتب على من يعتبرون المقارنة بين الهولوكوست النازي وما يحدث في غزة اليوم نوعًا من المبالغة أو الظلم، بالقول إن أي توثيق دقيق وموضوعي للجرائم المرتكبة خلال الأشهر الـ21 الأخيرة سيكشف أن بشاعتها لا تقلّ عن الجرائم التي ارتكبها النظام النازي. ويشير إلى أن معظم الضحايا في غزة هم من الأطفال والنساء، وأن 70% من البنية التحتية للقطاع تم تدميرها، بما في ذلك المدارس والمستشفيات ودور الرعاية، وأن الحياة هناك لم تعد ممكنة.
مسؤولية العالم: لا أعذار بعد اليوم
يختم نافعة مقاله بنداء أخلاقي إلى كل القوى الحية في العالم، وخصوصًا المنظمات الحقوقية والإعلامية، بأن تبدأ على الفور في توثيق ما يجري، باعتباره هولوكوست فلسطينيًا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
فهذا التوثيق ليس مجرد أداة لإدانة المجرمين، بل هو واجب إنساني وتاريخي وأخلاقي في وجه صمت دولي مخزٍ وتواطؤ يغذّي استمرار الجريمة.