الطعام تحت القصف

لماذا يستهدف الاحتلال منتظري المساعدات في غزة؟

خاص الرسالة نت

في قطاع غزة، لم يعد الحصول على  كيس دقيق مسألة إنسانية بحتة، بل تحوّل إلى مخاطرة قد تنتهي بالموت.

مشاهد تجمع الآلاف من المواطنين بالقرب من نتساريم أو زيكيم ومراكز توزيع المساعدات الإنسانية أصبحت واحدة من أبرز ملامح الحياة اليومية، لكن الأدهى أن هذه التجمعات باتت أهدافًا مباشرة لصواريخ الاحتلال ورصاص قناصته.

فلماذا يستهدف الاحتلال من ينتظرون الطعام؟

الجواب ليس عسكريًا بقدر ما هو سياسي ونفسي. فـ(إسرائيل)، في حربها المفتوحة على غزة منذ قرابة العامين، تعتمد استراتيجية مركّبة تسعى من خلالها إلى إنهاك المجتمع الغزّي من الداخل، ليس فقط عبر القصف والدمار، بل عبر سلاح أكثر فتكًا وأقل ضجيجًا: الجوع.

وفق تقرير صادر عن برنامج الغذاء العالمي، فإن أكثر من 90% من سكان قطاع غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، ومعظمهم يعتمدون بالكامل على المساعدات. ومع ذلك، فإن ما يدخل فعليًا إلى القطاع لا يغطي سوى جزء ضئيل جدًا من الاحتياجات، حيث تشير الأمم المتحدة إلى أن ما يتم السماح بدخوله لا يتجاوز 15% من الحد الأدنى المطلوب.

لكن الكارثة لا تقف عند شح المواد الغذائية… بل في استهداف من يحاولون الحصول عليها.
في الأسابيع الأخيرة، ارتكب جيش الاحتلال عدة مجازر متكررة في مناطق تجمع الناس حول المساعدات، أبرزها  أمس الأربعاء  غرب مدينة غزة، حين استهدف الاحتلال حشودًا كانت تنتظر  المساعدات بالقرب من زيكيم شمال القطاع، ما أسفر عن عشرات الشهداء والجرحى، معظمهم من الأطفال والنساء.

هذه المجازر لا يمكن فصلها عن نمط ثابت يتكرر في أكثر من موقع. فالمستهدف ليس فقط الإنسان الغزّي، بل قدرته على الصمود.

 سياسة التجويع الممنهجة، ليست وليدة اللحظة، بل تنبع من رؤية (إسرائيلية) قديمة يعتبر فيها قطاع غزة "وحدة معادية" يجب إبقاء سكانها تحت الحد الأدنى من الحياة، دون أن يصلوا حد الموت الكامل – وهو ما وصفه المسؤول (الإسرائيلي) دوف فايسغلاس قبل سنوات بـ"تضييق الخناق دون خنق".

لكن ما الجديد الآن؟

الجديد هو أن الاحتلال لم يكتفِ بتقليص دخول المساعدات، بل أصبح يستهدف أماكن توزيعها بشكل مباشر، ويريد أن يخيف الناس من فكرة الاصطفاف أو التجمع، حتى لو كان ذلك طلبًا لرغيف خبز.

فمن وجهة نظره، الضغط الإنساني هو ورقة رابحة، والجوع أكثر فاعلية من القنابل في تفكيك الحاضنة الشعبية للمقاومة.

ويقول المحلل السياسي المصري  علي فوزي  إن "ما يجري هو عقاب جماعي بكل المقاييس. الاحتلال يدرك أن المجتمع الغزّي هو بيئة المقاومة، ولذلك يستهدفه بأدوات غير تقليدية: التجويع، التهجير، وتدمير المنظومة الاجتماعية. هو يريد أن يكسر روح الناس قبل أجسادهم".


أما على الجانب القانوني، فتؤكد منظمات حقوقية دولية أن استهداف طوابير المساعدات يرقى إلى جريمة حرب واضحة، وينتهك كل الأعراف الدولية التي تحمي المدنيين أثناء النزاعات. ومع ذلك، فإن غياب المساءلة الدولية، وانحياز بعض العواصم الكبرى، يجعل (إسرائيل)  تمضي في هذا السلوك دون رادع.

في ظل هذا الواقع، لا تزال المساعدات التي تدخل عبر المعابر غير كافية، بل إن كثيرًا منها يُنهب أو يُحتجز أو يُؤخر عمدًا، سواء من الاحتلال أو من المجموعات المتعاونة معه. والنتيجة: غزّة جائعة، متروكة، ومطاردة حتى في طوابير الخبز.


في غزة اليوم، إن الجوع ليس نتيجة ثانوية للحرب، بل سلاح متعمّد.
وليس كل من يسقط شهيدًا قد مات بالقصف…
بعضهم مات وهو يحاول أن يأكل.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير