"أين أمير؟".. أم عبد الرحيم الجرابعة تحكي وجع الانتظار!

غزة - خاص الرسالة نت

كانت كلماتها تنزف قبل دموعها، أم عبد الرحيم الجرابعة، والدة الطفل الذي هزّ مشهدُه العالم حين قبّل يد الضابط الأمريكي في مركز المساعدات شمالي رفح. "أمير"، هكذا يسمونه هنا، طفلٌ من بقايا طفولة تقاوم الموت في قطاع غزة، مفقود منذ ذلك اليوم.. والوالدة تفتّش بين ركام الأخبار عن أثرٍ صغيرٍ لطفلها.

تحكي الأم في مقابلة مع قناة الجزيرة عن اللحظة التي رأته فيها يقبّل يد الجندي، لم يكن يعلم أمير ما تعنيه الأعلام على كتفه، ولم يكن يفرّق بين الجندي والمُسعف، هو فقط رأى من بيده (مساعدات) فظنّه رسول حياة.

قالت وهي تقاوم انكسارها: "ابني تربى على احترام الكبير، لم يقصد أن يذل نفسه، هو ظنّها طريقة لشكر من يحمل له كيس طحين".

في اليوم التالي لا أحد رآه. غادر أمير البيت مبكرًا وهو يحمل في عينيه أمل العودة بكيس خبز أو علبة بسكويت لإخوته. لكن شيئًا ما حدث في الطريق، شيءٌ ابتلع خطواته الصغيرة ولم يعُد بعدها.

"ذهبتُ للمكان الذي ظهر فيه بالفيديو، سألت عن ابني.. قالوا لم يروه منذ ذلك اليوم، لا أعلم إن كان حيًّا أم أسيرًا أم جثّة تحت الركام.."، هكذا تبوح الأم بعجزها أمام صمت الأخبار.

الضابط الأمريكي الذي صافحه أمير لم يعرف أن ذلك الطفل ترك أمًّا لا تنام، ولا تعرف كيف تُسكِت طفلتها الصغيرة التي تسأل كل يوم: "متى يرجع أمير؟".

لكن ذلك الضابط، أنثوني أغويلار، خرج بعدها ليقول الحقيقة التي تأخرت طويلاً. في شهادته قال:
"أمير لم يطلب شيئًا، لم يمد يده ليسأل، فقط جمع ما سقط من أرز على الأرض، ثم اقترب مني، مسح يده الصغيرة على خدي، وقبّل يدي وهو يقول Thank you. لم أشعر في حياتي بمثل هذا العجز."

ثم يضيف بصوت متهدج: "بعد دقائق من مغادرته المكان، بدأ إطلاق نار كثيف من القوات (الإسرائيلية) نحو المدنيين. رأيت الطفل يسقط أرضًا، لم أسمع صوته، لم أره يتحرك. كانت رصاصة واحدة أهدأ من جوعه."

الضابط الذي خدم في العراق وأفغانستان، وصف المشهد قائلًا: "ما حدث في غزة لم يكن عملية توزيع مساعدات. كانت فخاخ موت مصممة. يُطلب منا وضع نقاط توزيع في مناطق نزاع مكشوفة، ويُسمح للمدنيين بالاقتراب في مساحة قنص، ثم تُطلق النار كأنها عملية تهجير قسري تحت غطاء المساعدات."

أمير ليس الطفل الأول الذي يبتلعه الغياب في رفح، لكنه مشهد جعل العالم يكتشف أن أطفال غزة حين يُقبلون الأيادي، لا يبحثون عن إذلال، بل عن حياة.

والدة أمير، وبين ضلوعها يقيم ألف سؤال لا تجرؤ الأخبار أن تجيب عليه: "هل كان على طفلي أن يعتذر لأنه أراد أن يعيش؟".

والضابط الأمريكي الذي لم يستطع حماية ذلك الطفل، قال في النهاية: "لو كانت يدي التي قبّلها تعرف أنها ستكون آخر يدٍ يلمسها، لقطعتها قبل أن أمدها إليه."