تشهد (إسرائيل) موجة من الانتقادات الداخلية والدولية بسبب نتائج ما تُعرف بـ"عملية عربات جدعون" في قطاع غزة، والتي وصفها محللون ومصادر سياسية بأنها واحدة من أكثر العمليات كلفة وفشلًا في تاريخ الحروب الإسرائيلية، سواء من الناحية المالية أو الاستراتيجية.
ومع تقديرات تُشير إلى أن تكلفتها تجاوزت 25 مليار شيكل، فإن هذه العملية تُعد رمزًا لفشل الحكومة في إدارة الحرب سياسياً وعسكرياً.
في الشهور الأولى من الحرب، عبّر رئيس وزراء الاحتلال مجرم الحرب بنيامين نتنياهو في أكثر من مناسبة عن رغبته في أن تصبح غزة "قضية مملة بالنسبة للعالم".
لكن الواقع كان مختلفًا تمامًا، إذ تحولت غزة إلى بؤرة اهتمام عالمي متزايد، مع تصاعد الأزمة الإنسانية بشكل غير مسبوق، وانتشار صور المجاعة، وتكثيف عمليات إنزال المساعدات الجوية من دول عديدة. بل إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الداعم الأبرز لـ(إسرائيل)، اضطر للاعتراف مؤخرًا بوجود "جوع حقيقي لا يمكن إنكاره" في غزة.
المشاهد المؤلمة للأسرى الإسرائيليين – مثل أفيتار دافيد وروم برسلفسكي – والتي بثتها كتائب القسام، كشفت للعالم مستوى المعاناة في القطاع، ليس فقط بين الفلسطينيين، بل وحتى بين الأسرى الإسرائيليين أنفسهم، ما فاقم الضغط على الحكومة الإسرائيلية وأفقدها تعاطف العديد من الحلفاء.
صفقة شاملة بدلًا من الحرب المفتوحة
بحسب صحيفة هآرتس العبرية فإن مصادر سياسية إسرائيلية أكدت أن نتائج "عربات جدعون" جاءت عكس ما كانت الحكومة تطمح إليه. فبدلًا من الضغط على حماس لتليين موقفها التفاوضي، زادت الأزمة الإنسانية من تصلب موقف الحركة، الأمر الذي أعاد طرح خيار صفقة شاملة للإفراج عن جميع الأسرى مقابل وقف الحرب ونزع سلاح غزة.
المفارقة أن نتنياهو، الذي رفض قبل أسابيع فقط فكرة "الصفقة الشاملة"، يبدو اليوم منفتحًا على مناقشتها، رغم عدم تقديمه أي توضيحات للرأي العام حول هذا التحول المفاجئ. وقال مصدر سياسي مطلع على آلية عمل نتنياهو: "ما يجري هو مجرد محاولة لكسب الوقت وإظهار انطباع كاذب بأن هناك مبادرة جديدة".
تكلفة باهظة وخسائر مضاعفة
عملية "عربات جدعون"، التي شاركت فيها خمس فرق عسكرية وقُتل خلالها 40 جنديًا إسرائيليًا، أدت إلى مضاعفة أعداد جنود الاحتياط إلى نحو 100 ألف بدلًا من 50 ألفًا، وهو ما رفع تكلفة الجنود الاحتياطيين فقط إلى أكثر من 4 مليارات شيكل شهريًا. هذا إلى جانب عمليات أخرى مثل "شعب كالأسد" في إيران التي كلفت 22 مليار شيكل إضافي.
ورغم أن الاعتبارات الاقتصادية لم تكن ضمن أولويات حكومة العدو في بداية الحرب، إلا أن طول أمد القتال وتداعياته السياسية والحقوقية – ومنها تدهور مكانة (إسرائيل) الأكاديمية والتجارية عالميًا – دفع كثيرين في الأوساط الحكومية للإقرار بأن هذه المعركة تُهدد أمن الدولة الاقتصادي، وليس فقط السياسي والعسكري.
الحكومة منقسمة
وبينما يدعو بعض الوزراء، خاصة من معسكر اليمين المتطرف مثل بتسلئيل سموتريتش، إلى مواصلة الحرب وفرض حكم عسكري كامل على قطاع غزة، يرى آخرون أن الخيار العقلاني هو إنهاء الحرب بصفقة شاملة تحفظ ماء الوجه وتقلل الخسائر. لكن سموتريتش، وزير المالية الذي يفترض به حماية خزينة الدولة، يواصل الدفع نحو سيناريو مكلف وخطير.
ففي أحد لقاءاته قال: "يجب احتلال غزة كلها، وقتل المسلحين، وتدمير البنية التحتية العسكرية فوق الأرض وتحتها، وفرض حكم عسكري كامل فورًا، دون تردد أو حسابات".
مع ذلك، وبحسب تقارير من داخل وزارة مالية الاحتلال، لا توجد أي خطة حقيقية لدى سموتريتش لفرض حكم عسكري، ولا يجري أي تخطيط اقتصادي جاد لذلك. كل ما يحدث هو تخصيص مئات الملايين لنشاطات لوجستية تدعم المساعدات الإنسانية الأمريكية لغزة، دون تحمل (إسرائيل) مسؤولية مباشرة عن الإغاثة.
الحكم العسكري كابوس اقتصادي وسياسي
بحسب الخبراء الإسرائيليين، فإن فرض حكم عسكري على قطاع غزة ليس فقط إجراءً مرفوضًا دوليًا، بل سيتطلب موارد ضخمة من القوة البشرية والميزانيات قد تستمر لسنوات، وسيُلحق بـ(إسرائيل) أضرارًا اقتصادية وسياسية عميقة وطويلة الأمد.
ومع تدهور علاقات (إسرائيل) الدولية، فإن استمرار الحرب سيزيد من عزلتها، وسيدفع مواطنيها ثمنًا باهظًا على مستوى المعيشة والرفاه.
بل إن الاعتماد على التكنولوجيا لسد فجوة الميزانية لن يُجدي في حال استمرار الانهيار السياسي. فالحكم العسكري في غزة، كما يحذر التقرير الذي نشرته هآرتس، "يهدد اقتصاد إسرائيل وعلاقاتها الدولية لسنوات قادمة، وربما يجعل منها دولة منبوذة عالميًا".