في مقال تحليلي، تساءل الكاتب والمحلل السياسي سليمان أبو ارشيد بسخرية: كم مرة تنوي (إسرائيل) احتلال غزة المحتلة أصلًا؟، في إشارة إلى إعلان رئيس حكومة الاحتلال المجرم بنيامين نتنياهو عن "خطة جديدة لاحتلال القطاع"، وكأن الاحتلال لم يجتح غزة مرارًا خلال العقود الماضية، أو لم يكن بالفعل قائمًا من خلال الحصار والتدمير اليومي.
ويشير أبو ارشيد إلى المفارقة الصارخة في أن (إسرائيل)، وبعد 671 يومًا من حرب إبادة مدمرة على قطاع غزة، قتلت خلالها نحو 3% من السكان ودمّرت نحو 80% من البنية التحتية والمساكن، وعجزت عن كسر المقاومة رغم كل هذا العنف، تعود اليوم لتتحدث عن "احتلال القطاع من جديد"، في اعتراف ضمني وصريح بفشلها وعجز جيشها عن فرض إرادته على مليوني فلسطيني محاصرين منذ سنوات.
هزيمة رغم الدمار الهائل
بحسب الكاتب، فإن الإعلان عن "احتلال غزة" ليس سوى محاولة بائسة لإعادة تدوير الفشل وستر العجز، بعد أن تحطّمت كل العمليات العسكرية الإسرائيلية على صخرة صمود أهل غزة ومقاتلي المقاومة.
ويصف أبو ارشيد هذه الحرب بأنها جحيم مستمر منذ ما يقارب العامين، محوّلة القطاع إلى منطقة منكوبة، وسكانه إلى لاجئين للمرة الثانية، وهم يتوسّلون رغيف الخبز في ظلّ حصار التجويع الذي تحوّل إلى أداة حرب في حد ذاته.
فشل "عربات جدعون"
وفي سياق انتقاده لسياسة نتنياهو، ينقل أبو ارشيد موقف القيادة العسكرية الإسرائيلية التي تعارض خطة "احتلال غزة"، وعلى رأسهم رئيس الأركان الجنرال إيال زمير، الذي يرى أن عملية "عربات جدعون" الأخيرة قد حققت نتائج سياسية أهم من العسكرية، عندما دفعت حركة حماس إلى طاولة المفاوضات، وكان بالإمكان حينها تحقيق صفقة لتبادل الأسرى.
كما تنبّه القيادة العسكرية إلى أن العملية الجديدة لـ"احتلال غزة" ستكون كارثية من حيث التكلفة البشرية والعسكرية، إذ ستؤدي غالبًا إلى مقتل غالبية الأسرى الإسرائيليين في القطاع، وستتطلب إعادة تعبئة الجيش النظامي واستدعاء عشرات آلاف جنود الاحتياط، إضافة إلى شهور من القتال المتواصل، بل وسنتين على الأقل لتطهير الأنفاق، يعقبها فرض "حكم عسكري" مباشر على سكان القطاع.
أزمات داخلية وصراع القيادات العسكرية
لا تتوقف معضلات الجيش الإسرائيلي، وفق المقال، عند التحديات الميدانية، بل تمتد إلى صراعات داخلية حادة، أبرزها الخلاف بين قائد المنطقة الجنوبية وقائد سلاح الجو، حيث اتهم الأخير الأول باستخدام الغارات الجوية بشكل غير مهني، و"كوسيلة للتنفيس عن الإحباط" من خلال ضرب المدنيين.
ويكشف أبو ارشيد أن هذه الخلافات تترافق مع تراجع ملحوظ في جودة الأهداف، وتزايد الضربات العنيفة غير المؤثرة، مما يعكس فقدانًا للبوصلة العسكرية، في ظل سعي بعض القادة لتحقيق "نصر مطلق" لم يعد ممكنًا.
عودة إلى دروس الماضي
ويختم الكاتب بالإشارة إلى تجارب سابقة تعلّمت منها (إسرائيل) صعوبة "السيطرة على غزة"، بدءًا من الاحتلال في خمسينيات القرن الماضي، مرورًا بالحروب والتوغلات، ووصولًا إلى الانسحاب الأحادي عام 2005 الذي نفذه شارون. ويذكر أبو ارشيد أن رابين، حين ضاق ذرعًا بغزة، تمنى أن تغرق في البحر، لكنه سلّمها للفلسطينيين لاحقًا في أوسلو.
ويخلص الكاتب إلى أن إعلان نتنياهو الجديد لا يعكس فقط الإفلاس السياسي والعسكري، بل هو إقرار بعدم القدرة على حسم المعركة رغم وحشية الأدوات، وأن غزة، بجراحها العميقة، ما زالت قادرة على أن تُفشل كل جولات الاحتلال مهما تغيرت التسميات.